روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ} (17)

{ اصبر على مَا يَقُولُونَ } على ما يتجدد من أمثال هذه المقالات الباطلة المؤذية { واذكر عَبْدَنَا * دَاوُودُ } أي اذكر لهم قصته عليه السلام تعظيماً للمعصية في أعينهم وتنبيهاً لهم على كمال قبح ما اجترؤوا عليه فإنه عليه السلام مع علو شأنه وإيتائه النبوة والملك لما ألم بما هو خلاف الأولى ناله ما ألمه وأدام غمه وندمه فما الظن بهؤلاء الكفرة الأذلين الذين لم يزالوا على أكبر الكبائر مصرين أو اذكر قصته عليه السلام في نفسك وتحفظ من ارتكاب ما يوجب العتاب ، وقيل إنه تعالى أمره عليه الصلاة والسلام أن يذكر قصص الأنبياء عليهم السلام الذين عرض لهم ما عرض فصبروا حتى فرج الله تعالى عنهم وأحسن عاقبتهم ، ترغيباً له في الصبر وتسهيلاً لأمره عليه وإيذاناً ببلوغ ما يريده بذلك ، وهو كما ترى ، وقيل أمره بالصبر وذكر قصص الأنبياء ليكون ذلك برهاناً على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم ، والذكر على هذا والأول لساني وعلى ما بينهما قلبي وهو مراد من فسر { اذكر } على ذلك بتذكر { ذَا الايد } أي ذا القوة يقال فلان أيد وذو أيد وذو آد وأياد بمعنى وأياد كل شيء ما يتقوى به .

{ إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي رجاع إلى الله تعالى وطاعته عز وجل ، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس . ومجاهد أنهما قالا : الأواب المسبح ، وعن عمرو بن شرحبيل أنه المسبح بلغة الحبشة ، وأخرج الديلمي عن مجاهد قال : سألت ابن عمر عن الأواب فقال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال : هو الرجل يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله تعالى ، وهذا إن صح لا يعدل عنه ، والجملة تعليل لكونه عليه السلام ذا الأيد وتدل بأي معنى كان الأواب فيها على أن المراد بالأيد القوة الدينية وهي القوة على العبادة كما قال مجاهد . وقتادة . والحسن . وغيرهم إذ لا يحسن التعليل لو حملت القوة على القوة في الجسم ، نعم قد كان عليه السلام قوي الجسم أيضاً إلا أن ذلك غير مراد هنا ؛ وفي التعبير عنه بعبدنا ووصفه بذي الأيد والتعليل بما ذكر دلالة على كثرة عبادته ووفور طاعته .

وقد أخرج البخاري في تاريخه عن أبي الدرداء قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر داود وحدث عنه قال : كان أعبد البشر ، وأخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لأحد أن يقول إني أعبد من داود ، وروي أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وكان يقوم نصف الليل وفي ذلك دلالة على قوته في العبادة لما في كل من الصيام والقيام المذكورين من ترك راحة تذكرها قريباً .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ} (17)

قال لرسوله : { اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } كما صبر مَنْ قبلك من الرسل ، فإن قولهم لا يضر الحق شيئا ، ولا يضرونك في شيء ، وإنما يضرون أنفسهم .

لما أمر اللّه رسوله بالصبر على قومه ، أمره أن يستعين على الصبر بالعبادة للّه وحده ، ويتذكر حال العابدين ، كما قال في الآية الأخرى : { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا }

ومن أعظم العابدين ، نبي اللّه داود عليه الصلاة والسلام { ذَا الْأَيْدِ }  أي : القوة العظيمة على عبادة اللّه تعالى ، في بدنه وقلبه . { إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي : رجَّاع إلى اللّه في جميع الأمور بالإنابة إليه ، بالحب والتأله ، والخوف والرجاء ، وكثرة التضرع والدعاء ، رجاع إليه عندما يقع منه بعض الخلل ، بالإقلاع والتوبة النصوح .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ} (17)

ثم واصلت السورة الكريمة تسليتها للرسول صلى الله عليه وسلم حيث أمرته بالصبر ، وذكرت له - بشئ من التفصيل - قصص بعض الأنبياء - عليهم السلام - وبدأت بقصة داود - عليه السلام - الذى آتاه الله الملك والنبوة قال - تعالى - : { اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر . . . } .

الخطاب فى قوله - تعالى - : { اصبر على مَا يَقُولُونَ . . . } للنبى صلى الله عليه وسلم ، أى : اصبر - أيها الرسول الكريم - على ما قاله أعدؤك فيك وفى دعوتك لقد قالوا عنك إنك ساحر ومجنون وكاهن وشاعر . . وقالو عن القرآن الكريم : إنه أساطير الأولين . . وقالوا فى شأن دعوتك إياهم إلى وحدانية الله - تعالى - { مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة الآخرة إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق } وقالوا غير ذلك مما يدل على جهلهم وجحودهم للحق ، وعليك - أيها الرسول الكريم - أن تصبر على ما صدر منهم من أباطيل ، فإن الصبر مفتاح الفرج ، وهو الطريق الذى سلكه كل نبى من قبلك .

وقال - سبحانه - : { اصبر على مَا يَقُولُونَ } بصيغة المضارع ، لاستحضار الصورة الماضية . وللإِشعار بأن ما قالوه فى الماضى سيجددونه فى الحاضر وفى المستقبل فعليه أن يعد نفسه لاستقبال هذه الأقوال الباطلة بصبر وسعة صدر حتى يحكم الله - تعالى - بحكمه العادل ، بينه وبينهم .

وقوله - تعالى - : { واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ } معطوف على جملة { واصبر } . .

وداود - عليه السلام - : هو ابن يسى من سبط " يهوذا " بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وكانت ولادة داود فى حوالى القرن الحادى عشر قبل الميلاد . وقد منحه الله - تعالى - النبوة والملك .

وقوله - تعالى - { ذَا الأيد } صفة لداود ، والأَيْد : القوة . يقال : آدَ الرجل يئيد أَيْداً وإيادا ، إذا قوى واشتد عوده ، فهو أَيِّد . ومنه قولهم فى الدعاء : أيدك الله . أى : قواك و { أَوَّابٌ } صيغة مبالغة من آب إذا رجع .

أى : اصبر - أيها الرسول الكريم - على أذى قومك حتى يحكم الله بينك وبينهم واذكر - لتزداد ثباتا وثقة - قصة وحال عبدنا داود ، صاحب القوة الشديدة فى عبادتنا وطاعتنا وفى دحر أعدائنا . . { إِنَّهُ أَوَّابٌ } أى : كثير الرجوع إلى ما يرضينا .