{ وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } أي ندموا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وجعله غير واحد كناية عن شدة الندم وغايته لأن النادم إذا اشتد ندمه عض يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها ، وأصله سقط فوه أو عضه في يده أي وقع ثم حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول به فصار سقط في يده كقولك : مر بزيد ، وقرأ ابن السميقع سقط بالبناء للفاعل على الأصل ، واليد على ما ذكر حقيقة ، وقال الزجاج : معناه سقط الندم في أنفسهم وجعل القطب ذلك من باب الاستعارة التمثيلية حيث شبه حال الندم في النفس بحال الشيء في اليد في التحقيق والظهور ثم عبر عنه بالسقوط في اليد ولا لطف للاستعارة التصريحية فيه ، وقال الواحدي : إنه يقال لما يحصل وإن لم يكن في اليد وقع في يده وحصل في يده مكروه فيشبه ما يحصل في النفس وفي القلب بما يرى بالعين ، وخصت اليد لأن مباشرة الأمور بها كقوله تعالى : { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } [ الحج : 10 ] أو لأن الندم يظهر أثره بعد حصوله في القلب في اليد لعضها والضرب بها على أختها ونحو ذلك فقد قال سبحانه في النادم : { فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ } [ الكهف : 42 ] { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم } [ الفرقان : 27 ] ، وقيل : من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضع ذقنه على يده بحيث لو أزالها سقط على وجهه فكأن اليد مسقوط فيها ، و { فِى } بمعنى على ، وقيل : هو من السقاط وهو كثرة الخطأ ، وقيل : من السقيط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج لا ثبات له ، فهو مثل لمن خسر في عاقبته ولم يحصل على طائل من سعيه ، وعد بعضهم سقط من الأفعال التي لا تتصرف كنعم وبئس .
وقرأ ابن أبي عبلة { اسقط } على أنه رباعي مجهول وهي لغة نقلها الفراء . والزجاج ، وذكر بعضهم أن هذا التركيب لم يسمع قبل نزول القرآن ، ولم تعرفه العرب ، ولم يوجد في أشعارهم وكلامهم فلذا خفي على الكثير وأخطأوا في استعماله كأبي حاتم . وأبي نواس ، وهو العالم النحرير ولم يعلموا ذلك ولو علموه لسقط في أيديهم { أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } أي تبينوا ضلالهم باتخاذ العجل وعبادته كأنهم قد أبصروه بعيونهم قيل : وتقديم ذكر ندمهم على هذه الرؤية مع كونه متأخراً عنها للمسارعة إلى بيانه والإشعار بغاية سرعته كأنه سابق على الرؤية .
وقال القطب في بيان تأخير تبين الضلال عن الندم مع كونه سابقاً عليه : إن الانتقال من الجزم بالشيء إلى تبين الجزم بالنقيض لا يكون دفعياً في الأغلب بل إلى الشك ثم الظن بالنقيض ثم الجزم به ثم تبينه ، والقوم كانوا جازمين بأن ما هم عليه صواب والندم عليه ربما وقع لهم في حال الشك فيه فقد تأخر تبين الضلال عنه انتهى ، فافهم ولا تغفل { قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا } بإنزال التوبة المكفرة { وَيَغْفِرْ لَنَا } بالتجاوز عن خطيئتنا ، وتقديم الرحمة على المغفرة مع أن التخلية حقها أن تقدم على التحلية قيل : إما للمسارعة إلى ما هو المقصود الأصلي وإما لأن المراد بالرحمة مطلق إرادة الخير بهم وهو مبدأ لإنزال التوبة المكفرة لذنوبهم ، واللام في { لَئِنْ } موطئة للقسم أي والله لئن الخ ، وفي قوله سبحانه : { لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } لجواب القسم كما هو المشهور .
وقرأ حمزة . والكسائي { عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا } بالتاء الفوقية و { رَبَّنَا } بالنصب على النداء ؛ وما حكى عنهم من الندامة والرؤية والقول كان بعد رجوع موسى عليه السلام من الميقات كما ينطق به ما سيأتي إن شاء الله تعالى في طاه ، وقدم ليتصل ما قالوه بما فعلوه .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } أي ندموا عند جروع موسى الروح { قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا } بجذبات العناية { وَيَغْفِرْ لَنَا } بأن يستر صفاتنا بصفاته سبحاته وتعالى : { لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } [ الأعراف : 149 ] رأس مال هذه النشأة وهو الاستعداد .
وَلَمَّا رجع موسى إلى قومه ، فوجدهم على هذه الحال ، وأخبرهم بضلالهم ندموا و سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي : من الهم والندم على فعلهم ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا فتنصلوا ، إلى اللّه وتضرعوا و قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا فيدلنا عليه ، ويرزقنا عبادته ، ويوفقنا لصالح الأعمال ، وَيَغْفِرْ لَنَا ما صدر منا من عبادة العجل لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ الذين خسروا الدنيا والآخرة .
ثم بين - سبحانه - ما كان منهم بعد أن رأوا ضلالهم فقال تعالى : { وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } أى وحين اشتد ندمهم على عبادة العجل ، وتبينوا ضلالهم واضحا كأنهم أبصروه بعيونهم قالوا متحسرين { لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } أى لنكونن من الهالكين الذين حبطت أعمالهم .
وكان هذا الندم بعد رجوع موسى إليهم من الميقات وقد أعطاه الله التوراة ، بدليل أنه لما نصحهم هارون بترك عبادة العجل قالوا { قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى } وبدليل أن موسى - عليه السلام - لما رجع أنكر عليهم ما هم عليه وهذا دليل على أنهم كانوا مستمرين على عبادته إلى أن رجع موسى إليهم وبصرهم بما هم عليه من ضلال مبين .
ولذلك قال ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى { وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ } ( ولما ندم الذين عبدوا العجل الذي وصف - جل ثناؤه - صفته ، عند رجوع موسى إليهم ، واستسلموا لموسى وحكمه فيهم ، وكذلك تقوم العرب لكل نادم على أمر فات منه أو سلف ، وعاجز عن شىء : قد سقط في يديه وأسقط ، لغتان فصيحتان ، وأصله من الاستئسار ، وذلك بأن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه ، فيرمى به من بين يديه إلى الأرض ليأسره ، فالمرمى به مسقوط في يدى الساقط به ، فقيل لكل عاجز عن شىء ومتندم على ما فاته : سقط في يديه وأسقط ) .
وعبر - سبحانه - عن شدة ندمهم بقوله تعالى : { وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ } لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطاً فيها ، لأن فاه قد وقع فيها . وكأن أصل الكلام ولما سقطت أفواههم في أيديهم ، أى ندموا أشد الندم .
قال صاحب تاج العروس : وفى ( العباب ) هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن ولا عرفته العرب ( والأصل فيه نزول الشىء من أعلى إلى أسفل ) ، وقوعه على الأرض ، ثم اتسع فيه فقيل للخطأ من الكلام ( سقط ) لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه ، وذكر اليد لأن الندم يحدث في القلب .
وأثره يظهر في اليد ، كقوله تعالى : { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا } ولأن اليد هى الجارحة العظمى ، فربما يسند إليه ما لم تباشره كقوله تعالى : { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } اه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.