فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (149)

قوله : { وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ } أي ندموا وتحيروا بعد عود موسى من الميقات ، يقال للنادم المتحير قد سقط في يده . قال الأخفش : يقال سقط في يده وأسقط . ومن قال : سقط في أيديهم على البناء للفاعل ، غمّا فالمعنى عنده : سقط الندم . وأصله أن من شأن من اشتدّ ندمه وحسرته أن يعضّ يده غماً ، فتصير يده مسقوطاً فيها ، لأن فاه قد وقع فيها . وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم : معنى سقط في أيديهم : أي في قلوبهم وأنفسهم ، كما يقال : حصل في يده مكروه ، وإن كان محالاً أن يكون في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد ، لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد ، قال الله تعالى : { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } وأيضاً الندم وإن حلّ القلب ، فأثره يظهر في البدن ، لأن النادم يعضّ يده ، ويضرب إحدى يديه على الأخرى ، قال الله تعالى :

{ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } ومنه : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ } أي : من الندم . وأيضاً النادم يضع ذقنه في يده .

{ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } سقط : أي تبينوا أنهم قد ضلوا باتخاذهم العجل ، وأنهم قد ابتلوا بمعصية الله سبحانه { قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا } قرأ حمزة والكسائي بالفوقية في الفعلين جميعاً . وقرأ الباقون بالتحتية ، واللام للقسم ، وجوابه : { لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } وفي هذا الكلام منهم ما يفيد الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال . وسيأتي في سورة طه إن شاء الله ما يدل على أن هذا الكلام المحكي عنهم هنا وقع بعد رجوع موسى . وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع واحد .

/خ151