التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا} (25)

رجوع إلى بقية القصة بعد أن تخلل الاعتراض بينها بقوله : { فلا تمار فيهم } إلى قوله : { رشداً } [ الكهف : 22 24 ] .

فيجوز أن تكون جملة ولبثوا } عطفاً على مقولهم في قوله : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } [ الكهف : 22 ] أي ويقولون : لبثوا في كهفهم ، ليكون موقع قوله : { قل الله أعلم بما لبثوا } [ الكهف : 26 ] كموقع قوله السابق { قل ربي أعلم بعدتهم } [ الكهف : 22 ] ، وعليْه فلا يكون هذا إخباراً عن مدة لبثهم . وعن ابن مسعود أنه قرأ وقالوا لبثوا في كهفهم } إلى آخره ، فذلك تفسير لهذا العطف .

ويجوز أن يكون العطف على القصة كلها . والتقدير : وكذلك أعثرنا عليهم إلى آخره ، وهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسعَ سنين .

وعلى اختلاف الوجهين يختلف المعنى في قوله : { قل الله أعلم بما لبثوا } [ الكهف : 26 ] كما سيأتي . ثم إن الظاهر أن القرآن أخبر بمدة لبث أهل الكهف في كهفهم ، وأن المراد لبثُهم الأول قبل الإفاقة وهو المناسب لسبق الكلام على اللبث في قوله : { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } [ الكهف : 19 ] ، وقد قدمنا عند قوله تعالى : { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم } [ الكهف : 9 ] الخ . . . أن مؤرخي النصارى يزعمون أن مدة نومة أهل الكهف مائتان وأربعون سنة . وقيل : المراد لبثهم من وقت موتهم الأخير إلى زمن نزول هذه الآية .

والمعنى : أن يقدر لبثهم بثلاثمائة وتسع سنين . فعُبّر عن هذا العدد بأنه ثلاثمائة سنة وزيادة تسع ، ليعلم أن التقدير بالسنين القمرية المناسبة لتاريخ العرب والإسلام مع الإشارة إلى موافقة ذلك المقدار بالسنين الشمسية التي بها تاريخ القوم الذين منهم أهل الكهف وهم أهل بلاد الروم . قال السهيلي في الروض الأنف } : النصارى يعرفون حديث أهل الكهف ويؤرخون به . وأقول : واليهود الذين لَقّنوا قريشاً السؤالَ عنهم يؤرخّون الأشهر بحساب القمر ويؤرخون السنين بحساب الدورة الشمسية ، فالتفاوت بين أيام السنة القمرية وأيام السنة الشمسية يحصل منه سنة قمرية كاملة في كل ثلاث وثلاثين سنة شمسيةً ، فيكون التفاوت في مائة سنة شمسيةٍ بثلاث سنين زائدة قمرية . كذا نقله ابن عطية عن النقاش المفسر . وبهذا تظهر نكتة التعبير عن التسع السنين بالازدياد . وهذا من علم القرآن وإعجازه العلمي الذي لم يكن لعموم العرب علم به .

وقرأ الجمهور { ثلاث مائةٍ } بالتنوين . وانتصب { سنين } على البدلية من اسم العدد على رأي من يمنع مجيء تمييز المائة منصوباً ، أو هو تمييز عند من يجيز ذلك .

وقرأه حمزة والكسائي وخلف بإضافة مائة إلى سنين على أنه تمييز للمائة . وقد جاء تمييز المائة جمعاً ، وهو نادر لكنه فصيح .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا} (25)

هذا خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم . وفي قراءة ابن مسعود " وقالوا لبثوا " . قال الطبري : إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين ، فأخبر الله تعالى نبيه أن هذه المدة في كونهم نياما ، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر . فأمر الله تعالى أن يرد علم ذلك إليه . قال ابن عطية : فقوله على هذا " لبثوا " الأول يريد في نوم الكهف ، و " لبثوا " الثاني يريد بعد الإعثار{[10501]} إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو إلى وقت عدمهم بالبلاء . مجاهد : إلى وقت نزول القرآن . الضحاك : إلى أن ماتوا . وقال بعضهم : إنه لما قال " وازدادوا تسعا " لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام . واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك ، فأمر الله تعالى برد العلم إليه في التسع ، فهي على هذا مبهمة . وظاهر كلام العرب المفهوم منه أنها أعوام ، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير وقد بقيت من الحواريين بقية . وقيل غير هذا على ما يأتي . قال القشيري : لا يفهم من التسع تسع ليال وتسع ساعات لسبق{[10502]} ذكر السنين ، كما تقول : عندي مائة درهم وخمسة ، والمفهوم منه خمسة دراهم . وقال أبو علي " وازدادوا تسعا " أي ازدادوا لبث تسع ، فحذف . وقال الضحاك : لما نزلت " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة " قالوا سنين أم شهور أم جمع أم أيام ، فأنزل الله عز وجل " سنين " . وحكى النقاش ما معناه أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأيام{[10503]} ، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع ؛ إذ المفهوم عنده من السنين القمرية ، وهذه الزيادة هي ما بين الحسابين . ونحوه ذكر الغزنوي . أي باختلاف سني الشمس والقمر ؛ لأنه يتفاوت في كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة سنة فيكون في ثلاثمائة تسع سنين . وقرأ الجمهور " ثلثمائة سنين " بتنوين مائة ونصب سنين ، على التقديم والتأخير ، أي سنين ثلاثمائة فقدم الصفة على الموصوف ، فتكون " سنين " على هذا بدلا أو عطف بيان . وقيل : على التفسير والتمييز . و " سنين " في موضع سنة . وقرأ حمزة والكسائي بإضافة مائة إلى سنين ، وترك التنوين ، كأنهم جعلوا سنين بمنزلة سنة إذ المعنى بهما واحد . قال أبو علي : هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى الجموع . وفي مصحف عبدالله " ثلثمائة سنة " . وقرأ الضحاك " ثلثمائة سنون " بالواو . وقرأ أبو عمرو بخلاف " تسعا " بفتح التاء وقرأ الجمهور بكسرها . وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة : التقدير ولبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة .


[10501]:في جـ: بعد الانتشار.
[10502]:في جـ وي: لنسق.
[10503]:في جـ و ي: الأمم. ولعل هذا أوجه لأن الأمم لا تستعمل إلا الشمسية.