رجوع إلى بقية القصة بعد أن تخلل الاعتراض بينها بقوله : { فلا تمار فيهم } إلى قوله : { رشداً } [ الكهف : 22 24 ] .
فيجوز أن تكون جملة ولبثوا } عطفاً على مقولهم في قوله : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } [ الكهف : 22 ] أي ويقولون : لبثوا في كهفهم ، ليكون موقع قوله : { قل الله أعلم بما لبثوا } [ الكهف : 26 ] كموقع قوله السابق { قل ربي أعلم بعدتهم } [ الكهف : 22 ] ، وعليْه فلا يكون هذا إخباراً عن مدة لبثهم . وعن ابن مسعود أنه قرأ وقالوا لبثوا في كهفهم } إلى آخره ، فذلك تفسير لهذا العطف .
ويجوز أن يكون العطف على القصة كلها . والتقدير : وكذلك أعثرنا عليهم إلى آخره ، وهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسعَ سنين .
وعلى اختلاف الوجهين يختلف المعنى في قوله : { قل الله أعلم بما لبثوا } [ الكهف : 26 ] كما سيأتي . ثم إن الظاهر أن القرآن أخبر بمدة لبث أهل الكهف في كهفهم ، وأن المراد لبثُهم الأول قبل الإفاقة وهو المناسب لسبق الكلام على اللبث في قوله : { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } [ الكهف : 19 ] ، وقد قدمنا عند قوله تعالى : { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم } [ الكهف : 9 ] الخ . . . أن مؤرخي النصارى يزعمون أن مدة نومة أهل الكهف مائتان وأربعون سنة . وقيل : المراد لبثهم من وقت موتهم الأخير إلى زمن نزول هذه الآية .
والمعنى : أن يقدر لبثهم بثلاثمائة وتسع سنين . فعُبّر عن هذا العدد بأنه ثلاثمائة سنة وزيادة تسع ، ليعلم أن التقدير بالسنين القمرية المناسبة لتاريخ العرب والإسلام مع الإشارة إلى موافقة ذلك المقدار بالسنين الشمسية التي بها تاريخ القوم الذين منهم أهل الكهف وهم أهل بلاد الروم . قال السهيلي في الروض الأنف } : النصارى يعرفون حديث أهل الكهف ويؤرخون به . وأقول : واليهود الذين لَقّنوا قريشاً السؤالَ عنهم يؤرخّون الأشهر بحساب القمر ويؤرخون السنين بحساب الدورة الشمسية ، فالتفاوت بين أيام السنة القمرية وأيام السنة الشمسية يحصل منه سنة قمرية كاملة في كل ثلاث وثلاثين سنة شمسيةً ، فيكون التفاوت في مائة سنة شمسيةٍ بثلاث سنين زائدة قمرية . كذا نقله ابن عطية عن النقاش المفسر . وبهذا تظهر نكتة التعبير عن التسع السنين بالازدياد . وهذا من علم القرآن وإعجازه العلمي الذي لم يكن لعموم العرب علم به .
وقرأ الجمهور { ثلاث مائةٍ } بالتنوين . وانتصب { سنين } على البدلية من اسم العدد على رأي من يمنع مجيء تمييز المائة منصوباً ، أو هو تمييز عند من يجيز ذلك .
وقرأه حمزة والكسائي وخلف بإضافة مائة إلى سنين على أنه تمييز للمائة . وقد جاء تمييز المائة جمعاً ، وهو نادر لكنه فصيح .
هذا خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم . وفي قراءة ابن مسعود " وقالوا لبثوا " . قال الطبري : إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين ، فأخبر الله تعالى نبيه أن هذه المدة في كونهم نياما ، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر . فأمر الله تعالى أن يرد علم ذلك إليه . قال ابن عطية : فقوله على هذا " لبثوا " الأول يريد في نوم الكهف ، و " لبثوا " الثاني يريد بعد الإعثار{[10501]} إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو إلى وقت عدمهم بالبلاء . مجاهد : إلى وقت نزول القرآن . الضحاك : إلى أن ماتوا . وقال بعضهم : إنه لما قال " وازدادوا تسعا " لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام . واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك ، فأمر الله تعالى برد العلم إليه في التسع ، فهي على هذا مبهمة . وظاهر كلام العرب المفهوم منه أنها أعوام ، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير وقد بقيت من الحواريين بقية . وقيل غير هذا على ما يأتي . قال القشيري : لا يفهم من التسع تسع ليال وتسع ساعات لسبق{[10502]} ذكر السنين ، كما تقول : عندي مائة درهم وخمسة ، والمفهوم منه خمسة دراهم . وقال أبو علي " وازدادوا تسعا " أي ازدادوا لبث تسع ، فحذف . وقال الضحاك : لما نزلت " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة " قالوا سنين أم شهور أم جمع أم أيام ، فأنزل الله عز وجل " سنين " . وحكى النقاش ما معناه أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأيام{[10503]} ، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع ؛ إذ المفهوم عنده من السنين القمرية ، وهذه الزيادة هي ما بين الحسابين . ونحوه ذكر الغزنوي . أي باختلاف سني الشمس والقمر ؛ لأنه يتفاوت في كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة سنة فيكون في ثلاثمائة تسع سنين . وقرأ الجمهور " ثلثمائة سنين " بتنوين مائة ونصب سنين ، على التقديم والتأخير ، أي سنين ثلاثمائة فقدم الصفة على الموصوف ، فتكون " سنين " على هذا بدلا أو عطف بيان . وقيل : على التفسير والتمييز . و " سنين " في موضع سنة . وقرأ حمزة والكسائي بإضافة مائة إلى سنين ، وترك التنوين ، كأنهم جعلوا سنين بمنزلة سنة إذ المعنى بهما واحد . قال أبو علي : هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى الجموع . وفي مصحف عبدالله " ثلثمائة سنة " . وقرأ الضحاك " ثلثمائة سنون " بالواو . وقرأ أبو عمرو بخلاف " تسعا " بفتح التاء وقرأ الجمهور بكسرها . وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة : التقدير ولبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.