{ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل }
لما شاعت قصة أهل الكهف حين نزل بها القرآن صارت حديث النوادي ، فكانت مثار تخرصات في معرفة عددهم ، وحصر مدة مكثهم في كهفهم ، وربما أملى عليهم المتنصرة من العرب في ذلك قصصاً ، وقد نبههم القرآن إلى ذلك وأبهم على عموم الناس الإعلام بذلك لحكمة ، وهي أن تتعود الأمة بترك الاشتغال فيما ليست منه فائدة للدين أو للناس ، ودل عَلَم الاستقبال على أن الناس لا يزالون يخوضون في ذلك .
وضمير « يقولون » عائد إلى غير مذكور لأنه معلوم من المقام ، أي يقول الناس أو المسلمون ، إذ ليس في هذا القول حرج ولكنهم نُبّهوا إلى أن جميعه لا حجة لهم فيه . ومعنى سين الاستقبال سارٍ إلى الفعلين المعطوفين على الفعل المقترن بالسين ، وليس في الانتهاء إلى عدد الثمانية إيماء إلى أنه العدة في نفس الأمر .
وقد أعلم الله أن قليلاً من الخلق يعلمون عدتهم وهم من أطلعهم الله على ذلك . وفي مقدمتهم محمد صلى الله عليه وسلم لأن قصتهم جاءت على لسانه فلا شك أن الله أطلعه على عدتهم . وروي أن ابن عباس قال : أنا من القليل .
وكأن أقوال الناس تمالأت على أن عدتهم فردية تيمناً بعدد المفرد ، وإلا فلا دليل على ذلك دون غيره ، وقد سمى الله قولهم ذلك رجماً بالغيب .
والرجم حقيقته : الرمي بحجر ونحوه . واستعير هنا لرمي الكلام من غير روية ولا تثبت ، قال زهير :
والباء في { بالغيب } للتعدية ، كأنهم لما تكلموا عن أمر غائب كانوا يرجمون به .
وكل من جملة { رابعهم كلبهم } وجملة { سادسهم كلبهم } في موضع الصفة لاسم العدد الذي قبلها ، أو موضع الخبر الثاني عن المبتدأ المحذوف .
وجملة { وثامنهم كلبهم } الواو فيها واو الحال ، وهي في موضع الحال من المبتدأ المحذوف ، أو من اسم العدد الذي هو خبر المبتدأ ، وهو وإن كان نكرة فإن وقوعه خبراً عن معرفةٍ أكسبه تعريفاً . على أن وقوع الحال جملة مقترنة بالواو قد عد من مسوغات مجيء الحال من النكرة . ولا وجه لجعل الواو فيه داخلة على جملة هي صفة للنكرة لقصد تأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما ذهب إليه في « الكشاف » لأنه غير معروف في فصيح الكلام : وقد رده السكاكي في المفتاح وغير واحد .
ومن غرائب فتن الابتكار في معاني القرآن قول من زعم : إن هذه الواو واو الثمانية ، وهو منسوب في كتب العربية إلى بعض ضعَفة النحاة ولم يُعين مبتكره . وقد عد ابن هشام في « مغني اللبيب » من القائلين بذلك الحريري وبعض ضعفة النحاة كابن خالويه والثعلبي من المفسرين .
قلت : أقدمُ هؤلاء هو ابن خالويه النحوي المتوفى سنة 370 فهو المقصود ببعض ضعفة النحاة . وأحسب وصفه بهذا الوصف أخذه ابن هشام من كلام ابن المنير في « الانتصاف على الكشاف » من سورة التحريم إذ روى عن ابن الحاجب : أن القاضي الفاضل كان يعتقد أن الواو في قوله تعالى : { ثيبات وأبكارا } في سورة التحريم ( 5 ) هي الواو التي سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية . وكان القاضي يتبجح باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة المشهورة ، أحدها : التي في الصفة الثامنة في قوله تعالى : { والناهون عن المنكر } في سورة براءة ( 112 ) . والثانية : في قوله : { وثامنهم كلبهم } . والثالثة : في قوله : { وفُتِّحَتْ أبوابها } في الزمر ( 73 ) . قال ابن الحاجب ولم يزل الفاضل يستحسن ذلك من نفسه إلى أن ذكَره يوماً بحَضرة أبي الجُود النحوي المُقْري ؛ فبين له أنه واهم في عدها من ذلك القبيل وأحال البيان على المعنى الذي ذكره الزمخشري من دعاء الضرورة إلى الإتيان بالواو هنا لامتناع اجتماع الصفتين في موصوف واحد إلى آخره .
وقال في « المغني » : سبق الثعلبي الفاضلَ إلى عدها من المواضع في تفسيره . وأقول : لعل الفاضل لم يطلع عليه . وزاد الثعلبي قوله تعالى : { سبع ليال وثمانية أيام حسوما } في سورة الحاقة ( 7 ) حيث قرن اسم عدد ( ثمانية ) بحرف الواو .
ومن غريب الاتفاق أن كان لحقيقة الثمانية اعتلاقٌ بالمواضع الخمسة المذكورة من القرآن إما بلفظه كما هنا وآية الحاقة ، وإما بالانتهاء إليه كما في آية براءة وآية التحريم ، وإما بكون مسماه معدوداً بعدد الثمانية كما في آية الزمر . ولقد يعدُّ الانتباه إلى ذلك من اللطائف ، ولا يبلغ أن يكون من المعارف . وإذا كانت كذلك ولم يكن لها ضابط مضبوط فليس من البعيد عد القاضي الفاضللِ منها آية سورة التحريم لأنها صادفت الثامنة في الذكر وإن لم تكن ثامنة في صفات الموصُوفين ، وكذلك لعد الثعلبي آية سورة الحاقة ؛ ومثل هذه اللطائف كالزهرةُ تُشم ولا تحك .
وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { والناهون عن المنكر } في سورة براءة ( 112 ) .
وجملة { قل ربي أعلم بعدتهم } مستأنفة استئنافاً بيانياً لما تثيره جملة { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } إلى آخرها من ترقب تعيين ما يعتمد عليه من أمر عدتهم . فأجيب بأن يحال العلم بذلك على علام الغيوب . وإسناد اسم التفضيل إلى الله تعالى يفيد أن علم الله بعدتهم هو العلم الكامل وأن علم غيره مجرد ظن وحدس قد يصادف الواقع وقد لا يصادفه .
وجملة { ما يعلمهم إلا قليل } كذلك مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن الإخبار عن الله بأنه الأعلم يثير في نفوس السامعين أن يسألوا : هل يكون بعض الناس عالماً بعدتهم علماً غير كامل ، فأجيب بأن قليلاً من الناس يعلمون ذلك ولا محالة هم من أطلعهم الله على ذلك بوحي وعلى كلّ حال فهم لا يوصفون بالأعلمية لأن علمهم مكتسب من جهة الله الأعلم بذلك .
{ فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا }
تفريع على الاختلاف في عدد أهل الكهف ، أي إذا أراد بعض المشركين المماراة في عدة أهل الكهف لأخبار تلقوها من أهل الكتاب أو لأجل طلب تحقيق عدتهم فلا تمارهم إذ هو اشتغال بما ليس فيه جدوى . وهذا التفريع وما عطف عليه مُعترض في أثناء القصة .
والتماري : تفاعل مشتق من المرية ، وهي الشك . واشتقاق المفاعلة يدل على أنها إيقاع من الجانبين في الشك ، فيؤول إلى معنى المجادلة في المعتقد لإبطاله وهو يفضي إلى الشك فيه ، فأطلق المراء على المجادلة بطريق المجاز ، ثم شاع فصار حقيقة لما ساوى الحقيقة . والمراد بالمراء فيهم : المراء في عدتهم كما هو مقتضى التفريع .
والمراء الظاهر : هو الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا يطول الخوض فيه . وذلك مثل قوله : { قل ربي أعلم بعدتهم } وقوله : { ما يعلمهم إلا قليل } ، فإن هذا مما لا سبيل إلى إنكاره وإبايتهِ لوضوح حجّته وما وراء ذلك محتاج إلى الحجة فلا ينبغي الاشتغال به لقلة جدواه .
والاستفتاء : طلب الفتوى ، وهي الخبر عن أمر علمي مما لا يعلمه كل أحد . ومعنى { فيهم } أي في أمرهم ، أي أمر أهل الكهف . والمراد من النهي عن استفتائهم الكناية عن جهلهم بأمر أهل الكهف ، فضمير { منهم } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { سيقولون ثلاثة } ، وهم أهل مكة الذين سألوا عن أمر أهل الكهف .
أو يكون كناية رمزية عن حصول علم النبي صلى الله عليه وسلم بحقيقة أمرهم بحيث هو غني عن استفتاء أحد ، وأنه لا يُعلم المشركين بما علمه الله من شأن أهل الكهف ، وتكون ( من ) تعليلية ، والضمير المجرور بها عائداً إلى السائلين المتعنتين ، أي لا تسأل علم ذلك من أجل حرص السائلين على أن تعلمهم بيقين أمر أهل الكهف فإنك علِمته ولم تؤمر بتعليمهم إياه ، ولو لم يحمل النهي على هذا المعنى لم يتضح له وجه . وفي التقييد ب { منهم } مُحترز ولا يستقيم جعل ضمير { منهم } عائداً إلى أهل الكتاب ، لأن هذه الآيات مكية باتفاق الرواة والمفسرين .
قوله تعالى : " سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم " الضمير في " سيقولون " يراد به أهل التوراة ومعاصري محمد صلى الله عليه وسلم . وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف هذا الاختلاف المنصوص . وقيل : المراد به النصارى ، فإن قوما منهم حضروا النبي صلى الله عليه وسلم من نجران فجرى ذكر أصحاب الكهف فقالت اليعقوبية : كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم . وقالت النسطورية : كانوا خمسة سادسهم كلبهم . وقال المسلمون : كانوا سبعة ثامنهم كلبهم . وقيل : هو إخبار عن اليهود الذين أمروا المشركين بمسألة النبي صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف . والواو في قول " وثامنهم كلبهم " طريق النحو بين أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم ؛ لتفصل أمرهم ، وتدل على أن هذا غاية{[10489]} ما قيل ، ولو سقطت لصح الكلام . وقالت فرقة منها ابن خالويه : هي واو الثمانية . وحكى الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أن قريشا كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية ، فتدخل الواو في الثمانية . وحكى نحوه القفال ، فقال : إن قوما قالوا العدد ينتهي عند العرب إلى سبعة ، فإذا احتيج إلى الزيادة عليها استؤنف خبر آخر بإدخال الواو ، كقوله " التائبون العابدون - ثم قال - والناهون عن المنكر والحافظون " {[10490]} [ التوبة : 112 ] . يدل عليه أنه لما ذكر أبواب جهنم " حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها " {[10491]} [ الزمر : 71 ] بلا واو ، ولما ذكر الجنة قال : " وفتحت أبوابها " [ الزمر : 73 ] بالواو . وقال " خير منكن مسلمات " {[10492]} [ التحريم : 5 ] ثم قال " وأبكارا " [ التحريم : 5 ] فالسبعة نهاية العدد عندهم كالعشرة الآن عندنا . قال القشيري أبو نصر : ومثل هذا الكلام تحكم ، ومن أين السبعة نهاية عندهم ثم هو منقوض بقوله تعالى : " هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر " {[10493]} [ الحشر : 23 ] ولم يذكر الاسم الثامن بالواو . وقال قوم ممن صار إلى أن عددهم سبعة : إنما ذكر الواو في قوله " سبعة وثامنهم " لينبه على أن هذا العدد هو الحق ، وأنه مباين للأعداد الأخر التي قال فيها أهل الكتاب ؛ ولهذا قال تعالى في الجملتين المتقدمتين " رجما بالغيب " ولم يذكره في الجملة الثالثة ولم يقدح فيها بشيء ، فكأنه قال لنبيه هم سبعة وثامنهم كلبهم . والرجم : القول بالظن ، يقال لكل ما يخرص : رجم فيه ومرجوم ومرجم ، كما قال :
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم *** وما هو عنها بالحديث المُرَجَّمِ{[10494]} قلت : قد ذكر الماوردي والغزنوي : وقال ابن جريج ومحمد بن إسحاق كانوا ثمانية ، وجعلا قوله تعالى " وثامنهم كلبهم " أي صاحب كلبهم . وهذا مما يقوي طريق النحويين في الواو ، وأنها كما قالوا . وقال القشيري : لم يذكر الواو في قوله : رابعهم سادسهم ، ولو كان بالعكس لكان جائزا ، فطلب الحكمة والعلة في مثل هذه الواو تكلف بعيد ، وهو كقوله في موضع آخر " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم " {[10495]} [ الحجر : 4 ] . وفي موضع آخر : " إلا لها منذرون . ذكرى " [ الشعراء : 208 ] .
قوله تعالى : " قل ربي أعلم بعدتهم " أمر الله تعالى نبيه عليه السلام في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه عز وجل . ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل . والمراد به قوم من أهل الكتاب ، في قول عطاء . وكان ابن عباس يقول : أنا من ذلك القليل ، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم ، ثم ذكر السبعة بأسمائهم ، والكلب اسمه قطمير كلب أنمر ، فوق القلطي{[10496]} ودون الكردي . وقال محمد بن سعيد بن المسيب : هو كلب صيني . والصحيح أنه زبيري . وقال : ما بقي بنيسابور محدث إلا كتب عني هذا الحديث إلا من لم يقدر له . قال : وكتبه أبو عمرو الحيري عني .
قوله تعالى : " فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا " أي لا تجادل في أصحاب الكهف إلا بما أوحيناه إليك ، وهو رد علم عدتهم إلى الله تعالى . وقيل : معنى المراء الظاهر أن تقول : ليس كما تقولون ، ونحو هذا ، ولا تحتج على أمر مقدر في ذلك . وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يبين لأحد عددهم فلهذا قال " إلا مراء ظاهرا " أي ذاهبا ، كما قال :
وتلك شَكَاةٌ ظاهرٌ عنك عَارُها{[10497]}
ولم يبح له في هذه الآية أن يماري ، ولكن قوله " إلا مراء " استعارة من حيث يماريه أهل الكتاب . سميت مراجعته لهم مراء ثم قيد بأنه ظاهر ، ففارق المراء الحقيقي المذموم . والضمير في قوله " فيهم " عائد على أهل الكهف . وقوله : " فلا تمار فيهم " يعني في عدتهم ، وحذفت العدة لدلالة ظاهر القول عليها .
قوله تعالى : " ولا تستفت فيهم منهم أحدا " روي أنه عليه السلام سأل نصارى نجران عنهم فنهي عن السؤال . والضمير في قوله " منهم " عائد على أهل الكتاب المعارضين . وفي هذا دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم .