التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَأَتۡبَعَ سَبَبًا} (85)

السبب : الوسيلة . والمراد هنا معنى مجازي وهو الطريق ، لأن الطريق وسيلة إلى المكان المقصود ، وقرينة المجاز ذكر الاتباع والبلوغ في قوله : { فأتبع سبباً حتى إذا بلغ مغرب الشمس } والدليل على إرادة غير معنى السبب في قوله تعالى : { وءاتيناه مِن كُلّ شَيْءٍ سَبَباً } إظهار اسم السبب دون إضماره ، لأنه لما أريد به معنى غير ما أُريد بالأول حسن إظهار اسمه تنبيهاً على اختلاف المعنيين ، أي فاتبع طريقاً للسير وكان سيره للغزو ، كما دلّ عليه قوله : { حَتَّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ } .

ولم يعدّ أهل اللغة معنى الطريق في معاني لفظ السبب لعلهم رأوه لم يكثر وينتشر في الكلام . ويظهر أن قوله تعالى : { أسباب السموات } [ فاطر : 37 ] من هذا المعنى . وكذلك قول زهير :

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

أي هاب طرق المنايَا أن يسلكها تنله المنايا ، أي تأتيه ، فذلك مجاز بالقرينة .

والمراد ب { مَغْرِبَ الشَّمْسِ } مكان مغرب الشمس من حيث يلوح الغروب من جهات المعمور من طريق غزوته أو مملكته . وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه بحيث يبدو الأفق من جهة مستبحرة ، إذ ليس للشمس مغرب حقيقي إلا فيما يلوح للتخيل . والأشبه أن يكون ذو القرنين قد بلغ بحر الخزر وهو بحيرة قزوين فإنها غرب بلاد الصين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَأَتۡبَعَ سَبَبًا} (85)

قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي " فأتبع سببا " مقطوعة الألف وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو " فاتبع سببا " بوصلها ، أي اتبع سببا من الأسباب التي أوتيها . قال الأخفش : تبعته وأتبعته بمعنى ؛ مثل ردفته وأردفته ، ومنه قوله تعالى : " إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب " {[10721]} [ الصافات : 10 ] ومنه الإتباع في الكلام مثل : حسن بسن وقبيح شقيح . قال النحاس : واختار أبو عبيد قراءة أهل الكوفة قال : لأنها من السير ، وحكى هو والأصمعي أنه يقال : تبعه واتبعه إذا سار ولم يلحقه ، وأتبعه إذا لحقه ، قال أبو عبيد : ومثله " فأتبعوهم مشرقين " {[10722]} قال النحاس : وهذا التفريق إن كان الأصمعي قد حكاه لا يقبل إلا بعلة أو دليل . وقوله عز وجل : " فأتبعوهم مشرقين " [ الشعراء : 60 ] ليس في الحديث أنهم لحقوهم ، وإنما الحديث : لما خرج موسى عليه السلام وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه انطبق عليهم البحر والحق في هذا أن تبع وأتبع واتبع لغات بمعنى واحد ، وهي بمعنى السير ، فقد يجوز أن يكون معه لحاق وألا يكون .


[10721]:راجع جـ 15 ص 64.
[10722]:راجع جـ 13 ص 105.