التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا} (97)

ضمير { اسْطَاعُوَا } و { اسَتَطَاعُوا } ليأجوج ومأجوج .

والظهور : العلو . والنقب : كسر الرّدم ، وعدم استطاعتهم ذلك لارتفاعه وصلابته .

و { اسْطَاعُوَا } تخفيف { اسَتَطَاعُوا } ، والجمع بينهما تفنن في فصاحة الكلام كراهية إعادة الكلمة . وابتدىء بالأخف منهما لأنه وليه الهمز وهو حرف ثقيل لكونه من الحلق ، بخلاف الثاني إذ وليه اللام وهو خفيف .

ومقتضى الظاهر أن يُبتدأ بفعل { اسَتَطَاعُوا } ويثني بفعل { اسْطَاعُوَا } لأنه يثقل بالتكرير ، كما وقع في قوله آنفاً { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً } [ الكهف : 78 ] ثم قوله : { ذلك تأويل ما لم تَسْطِع عليه صبراً } [ الكهف : 82 ] .

ومن خصائص مخالفة مقتضى الظاهر هنا إيثار فعل ذي زيادة في المبنى بموقع فيه زيادة المعنى لأن استطاعة نقب السد أقوى من استطاعة تسلقه ، فهذا من مواضع دلالة زيادة المبنى على زيادة في المعنى .

وقرأ حمزة وحده { فَما اسْطَّاعوا الأول بتشديد الطاء مدغماً فيها التاء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا} (97)

قوله تعالى : " فما اسطاعوا أن يظهروه " أي ما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوه ويصعدوا فيه ؛ لأنه أملس مستو مع الجبل والجبل عال لا يرام . وارتفاع السد مائتا ذراع وخمسون ذراعا . وروي : في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ ، وفي عرضه خمسون فرسخ ، قاله وهب بن منبه .

قوله تعالى : " وما استطاعوا له نقبا " لبعد عرضه وقوته . وروي في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ) وعقد وهب بن منبه بيده تسعين وفي رواية - وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها . . . ) وذكر الحديث . وذكر يحيى بن سلام عن سعد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن يأجوج ومأجوج يخرقون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم أرجعوا فستخرقونه غدا{[10746]} فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس . . . ) الحديث وقد تقدم . قوله تعالى : " فما استطاعوا " بتخفيف الطاء على قراءة الجمهور . وقيل : هي لغة بمعنى استطاعوا . وقيل : بل استطاعوا بعينه كثر في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء فقالوا : اسطاعوا . وحذف بعضهم منه الطاء فقال استاع يستيع بمعنى استطاع يستطيع ، وهي لغة مشهورة . وقرأ حمزة وحده " فما استطاعوا " بتشديد الطاء كأنه أراد استطاعوا ، ثم أدغم التاء في الطاء فشددها ، وهي قراءة ضعيفة الوجه ، قال أبو علي : هي غير جائزة{[10747]} . وقرأ الأعمش " فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " بالتاء في الموضعين .


[10746]:من ك و ي. وفي أ و حـ وجـ: فستحفرونه.
[10747]:وقال النحاس: لا يقدر أحد أن ينطق بها، لأن السين ساكنة والطاء المدغمة ساكنة، وقال سيبويه: هذا محال.