التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ} (113)

وبارك جعله ذا بركة والبركة زيادة الخير في مختلف وجوهه ، وقد تقدم تفسيرها عند قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً } في سورة [ آل عمران : 96 ] . وقوله : { وبركات عليك } في سورة [ هود : 48 ] .

و { على } للاستعلاء المجازي ، أي تمكُّن البركةِ من الإِحاطة بهما .

ولما ذكر ما أعطاهما نقل الكلام إلى ذريتهما فقال : { ومن ذُريتهما مُحسنٌ } ، أي عامل بالعمل الحسن ، { وظالِمٌ لنفسهِ } أي مشرك غير مستقيم للإِشارة إلى أن ذريتهما ليس جميعها كحالهما بل هم مختلفون ؛ فمن ذرية إبراهيم أنبياء وصالحون ومؤمنون ومن ذرية إسحاق مثلهم ، ومن ذرية إبراهيم من حادوا عن سنن أبيهم مثل مشركي العرب ، ومن ذرية إسحاق كذلك مثل من كفر من اليهود بالمسيح وبمحمد صلّى الله عليهما ، ونظيره قوله تعالى : { قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } في سورة [ البقرة : 124 ] .

وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيّب لا يجري أمرهما على العِرق والعنصر فقد يلد البَرُّ الفاجرَ والفاجر البَّر ، وعلى أن فساد الأعقاب لا يُعدّ غضاضة على الآباء ، وأن مناط الفضل هو خصال الذات وما اكتسب المرء من الصالحات ، وأما كرامة الآباء فتكملة للكمال وباعث على الاتّسام بفضائل الخِلال ، فكان في هذه التكملة إبطال غرور المشركين بأنهم من ذرية إبراهيم ، وإنهّا مزية لكن لا يعادلها الدخول في الإِسلام وأنهم الأوْلى بالمسجد الحرام . قال أبو طالب في خطبة خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم « الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وجعلنا رجال حرمه وسَدنة بيته » فكان ذلك قبل الإِسلام وقال الله تعالى لهم بعد الإِسلام : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن باللَّه واليوم الآخر وجاهد في سبيل اللَّه لا يستوون عند اللَّه } [ التوبة : 19 ] . وقال تعالى : { وهم يصدّون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون } [ الأنفال : 34 ] وقال : { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } [ آل عمران : 68 ] .

وقد ضرب الله هذه القصة مثلاً لحال النبي صلى الله عليه وسلم في ثباته على إبطال الشرك وفيما لقي من المشركين وإيماءً إلى أنه يهاجر من أرض الشرك وأن الله يهديه في هجرته ويهَب له أمّة عظيمة كما وهب إبراهيم أتباعاً ، فقال : { إن إبراهيم كان أمة } [ النحل : 120 ] .

وفي قوله تعالى : { ومن ذريتهما محسنٌ وظالمٌ لنفسه مبينٌ } مَثَل لحال النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه من أهل مكة ولحال المشركين من أهل مكة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ} (113)

" وباركنا عليه وعلى إسحاق " أي ثنينا عليهما النعمة وقيل كثرنا ولدهما ، أي باركنا على إبراهيم وعلى أولاده ، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني إسرائيل من صلبه . وقد قيل : إن الكناية في " عليه " تعود على إسماعيل وأنه هو الذبيح . قال المفضل : الصحيح الذي يدل عليه القرآن أنه إسماعيل ، وذلك أنه قص قصة الذبيح ، فلما قال في آخر القصة : " وفديناه بذبح عظيم " ثم قال : " سلام عل إبراهيم . كذلك نجزي المحسنين " قال : " وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين . وباركنا عليه " أي على إسماعيل " وعلى إسحاق " كنى عنه ؛ لأنه قد تقدم ذكره . ثم قال : " ومن ذريتهما " فدل على أنها ذرية إسماعيل وإسحاق ، وليس تختلف الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة .

قلت : قد ذكرنا أولا ما يدل على أن إسحاق أكبر من إسماعيل ، وأن المبشر به هو إسحاق بنص التنزيل ، فإذا كانت البشارة بإسحاق نصا فالذبيح لا شك هو إسحاق ، وبشر به إبراهيم مرتين : الأولى بولادته والثانية بنبوته . كما قال ابن عباس . ولا تكون النبوة إلا في حال الكبر و " نبيا " نصب على الحال والهاء في " عليه " عائدة إلى إبراهيم وليس لإسماعيل في الآية ذكر حتى ترجع الكناية إليه . وأما ما روي من طريق معاوية قال : سمعت رجلا يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن الذبيحين ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم . ثم قال معاوية : إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم ، نذر لله إن سهل عليه أمرها ليذبحن أحد ولده لله ، فسهل الله عليه أمرها ، فوقع السهم على عبد الله ، فمنعه أخواله بنو مخزوم ، وقالوا : افد ابنك ، ففداه بمائة من الإبل وهو الذبيح ، وإسماعيل هو الذبيح الثاني فلا حجة فيه ؛ لأن سنده لا يثبت على ما ذكرناه في كتاب الأعلام في معرفة مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام ؛ ولأن العرب تجعل العم أبا ، قال الله تعالى : " قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق " [ البقرة : 133 ] وقال تعالى : " ورفع أبويه على العرش " [ يوسف : 100 ] وهما أبوه وخالته . وكذلك ما روي عن الشاعر الفرزدق عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لو صح إسناده فكيف وفي الفرزدق نفسه مقال .

السابعة عشرة- قوله تعالى : " ومن ذريتهما محسن وظالم " لما ذكر البركة في الذرية والكثرة قال : منهم محسن ومنهم مسيء ، وإن المسيء لا تنفعه بنوة النبوة ؛ فاليهود والنصارى وإن كانوا من ولد إسحاق ، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل ، فلا بد من الفرق بين المحسن والمسيء والمؤمن والكافر ، وفي التنزيل : " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه " [ المائدة : 18 ] الآية ، أي أبناء رسل الله فرأوا لأنفسهم فضلا . وقد تقدم{[13294]} .


[13294]:راجع ج 6 ص 120 طبعة أولى أو ثانية.