التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ} (90)

والتولي : الإِعراض والمفارقة .

لم ينطق إبراهيم فإن النجوم دلته على أنه سقيم ولكنه لما جعل قوله : { إني سقيمٌ } مقارناً لنظره في النجوم أوهم قومه أنه عرف ذلك من دلالة النجوم حسب أوهامهم .

و { مُدبرينَ } حال ، أي ولَّوه أدبارهم ، أي : ظهورهم . والمعنى : ذهبوا وخلفوه وراء ظهورهم بحيث لا ينظرونه . وقد قيل : إن { مُدْبرينَ } حال مؤكدة وهو من التوكيد الملازم لفعل التولي غالباً لدفع توهّم أنه تولّي مخالفة وكراهة دون انتقال .

وما وقع في التفاسير في معنى نظره في النجوم وفي تعيين سقمه المزعوم كلام لا يمتع بين موازين المفهوم ، وليس في الآية ما يدل على أن للنجوم دلالة على حدوث شيء من حوادث الأمم ولا الأشخاص ومن يزعم ذلك فقد ضلّ ديناً ، واختل نظراً وتخميناً . وقد دوّنوا كذباً كثِيراً في ذلك وسموه علم أحكام الفلك أو النجوم .

وقد ظهر من نظم الآية أن قوله : { إني سقيمٌ } لم يكن مرضاً ولذلك جاء الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاثَ كَذَبات اثنتين منهن في ذات الله عزّ وجلّ " قوله : { إني سقيم } ، وقوله : { بل فعله كبيرهم هذا } [ الأنبياء : 63 ] ، وبينَا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة فسأله عن سارة فقال : « هي أختي » الحديث ، فورد عليه إشكال من نسبة الكذب إلى نبيء .

ودفع الإِشكال : أن تسمية هذا الكلام كذباً منظور فيه إلى ما يُفهمه أو يعطيه ظاهر الكلام وما هو بالكذب الصراح بل هو من المعاريض ، أي أني مثل السقيم في التخلف عن الخروج ، أو في التألم من كفرهم وأن قوله : « هي أختي » أراد أخوّةَ الإِيمان ، وأنه أراد التهكم في قوله : { بل فعله كبيرهم هذا } [ الأنبياء : 63 ] لظهور قرينة أن مراده التغليط .

وهذه الأجوبة لا تدفع إشكالاً يتوجه على تسمية النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام بأنه كذبات . وجوابه عندي : أنه لم يكن في لغة قوم إبراهيم التشبيه البليغ ، ولا المجازُ ، ولا التهكّم ، فكان ذلك عند قومه كذباً وأن الله أذِن له فعل ذلك وأعلمه بتأويله كما أذن لأيوب أن يأخذ ضغثاً من عِصيّ فيضرب به ضربةً واحدة ليُبرّ قسَمَه إذ لم تكن الكفارة مشروعة في دين أيوب عليه السلام .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ} (90)

" ف " لذلك " تولوا عنه مدبرين " أي فارين منه خوفا من العدوى . وروى الترمذي الحكيم قال : حدثنا أبي قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس ، وعن سمرة عن الهمداني عن ابن مسعود قال : قالوا لإبراهيم : إن لنا عيدا لو خرجت معنا لأعجبك ديننا . فلما كان يوم العيد خرجوا إليه وخرج معهم ، فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه ، وقال إني سقيم أشتكي رجلي ، فوطئوا رجله وهو صريع ، فلما مضوا نادى في آخرهم " وتالله لأكيدن أصنامكم " [ الأنبياء : 57 ] . قال أبو عبد الله : وهذا ليس بمعارض لما قال ابن عباس وابن جبير ؛ لأنه يحتمل أن يكون قد اجتمع له أمران .

قلت : وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات . . . ) الحديث . وقد مضى في سورة " الأنبياء " {[13269]} وهو يدل على أنه لم يكن سقيما وإنما عرض لهم . وقد قال جل وعز : " إنك ميت وإنهم ميتون " [ الزمر : 30 ] . فالمعنى إني سقيم فيما استقبل فتوهموا هم أنه سقيم الساعة . وهذا من معاريض الكلام على ما ذكرنا ، ومنه المثل السائر{[13270]} [ كفى بالسلامة داء ] وقول لبيد :

فدعوت ربي بالسلامة جاهدا *** ليُصِحَّنِي فإذا السَّلامَةُ داءُ

وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس فقالوا : مات وهو صحيح ! فقال أعرابي : أصحيح من الموت في عنقه ! فإبراهيم صادق ، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم واصطفائهم عد هذا ذنبا ؛ ولهذا قال : " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " [ الشعراء : 82 ] وقد مضى هذا كله مبينا والحمد لله{[13271]} . وقيل : أراد سقيم النفس لكفرهم . والنجوم يكون جمع نجم ويكون واحدا مصدرا .


[13269]:راجع ج 11 ص 300 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.
[13270]:رواه الديلمي في مسند الفردوس حديثا عن ابن عباس بإسناد ضعيف.
[13271]:راجع ج 11 ص 300 و ج 13 ص 11 طبعة أولى أو ثانية.