التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ} (96)

الواو في { والله خلقكم وما تعملون } واو الحال ، أي أتيتم منكراً إذ عبدتم ما تصنعونه بأيديكم والحال أن الله خلقكم وما تعملون وأنتم مُعرِضون عن عبادته ، أو وأنتم مشركون معه في العبادة مخلوقاتٍ دونكم . والحال مستعملة في التعجيب لأن في الكلام حذفاً بعد واو الحال إذ التقدير : ولا تعبدون الله وهو خلقكم وخلق ما نحتموه .

و { ما } موصولة و { تَعملُونَ } صلة الموصول ، والرابط محذوف على الطريقة الكثيرة ، أي وما تعملونها . ومعنى { تعملون } تنحتون . وإنما عدل عن إعادة فعل { تنحتون } لكراهية تكرير الكلمة فلما تقدّم لفظ { تَنْحِتُونَ } علم أن المراد ب { ما تعملون } ذلك المعمول الخاص وهو المعمول للنحت لأن العمل أعمّ . يقال : عملت قميصاً وعملتُ خاتماً . وفي حديث صنع المنبر « أرسل رسوُل الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار أنْ مُري غلامك النجّارَ يعمَلْ لي أعواداً أُكلّم عليها الناس »

وخلق الله إياها ظاهر ، وخلقه ما يعملونها : هو خلق المادة التي تصنع منها من حجر أو خشب ، ولذلك جمع بين إسناد الخلق إلى الله بواو العطف ، وإسنادِ العمل إليهم بإسناد فعل { تعملُونَ .

وقد احتج الأشاعرة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بهذه الآية على أن تكون { ما } مصدرية أو تكون موصولة ، على أن المراد : ما تعملونه من الأعمال . وهو تمسك ضعيف لما في الآية من الاحتمالين ولأن المقام يرجح المعنى الذي ذكرناه إذ هو في مقام المحاجّة بأن الأصنام أنفسها مخلوقة لله فالأولى المصير إلى أدلة أخرى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ} (96)

" والله خلقكم وما تعملون " " ما " في موضع نصب أي وخلق ما تعملونه من الأصنام ، يعني الخشب والحجارة وغيرهما ، كقوله : " بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن " [ الأنبياء : 56 ] وقيل : إن " ما " استفهام ومعناه التحقير لعملهم . وقيل : هي نفي ، والمعنى وما تعملون ذلك لكن الله خالقه . والأحسن أن تكون " ما " مع الفعل مصدرا ، والتقدير والله خلقكم وعملكم وهذا مذهب أهل السنة : أن الأفعال خلق لله عز وجل واكتساب للعباد . وفي هذا إبطال مذاهب القدرية والجبرية . وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله خالق كل صانع وصنعته ) ذكره الثعلبي . وخرجه البيهقي من حديث حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل صنع كل صانع وصنعته فهو الخالق وهو الصانع سبحانه ) وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى .