التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ} (17)

أعقب حكاية أقوالهم من التكذيب ابتداء من قوله : { وقَالَ الكافرون هذا ساحِرٌ كذَّابٌ } [ ص : 4 ] إلى هنا ، بأمرِ الله رسولَه صلى الله عليه وسلم بالصبر على أقوالهم إذ كان جميعها أذى : إما صريحاً كما قالوا : { ساحر كذَّاب } وقالوا : { إن هذا إلا اختلاقٌ } [ ص : 7 ] { إن هذا لشيء يُرادُ } [ ص : 6 ] ، وإمّا ضِمناً وذلك ما في سائر أقوالهم من إنكار ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بقولهم : { ربَّنَا عَجِل لنا قِطَّنَا } [ ص : 16 ] من إثبات أن الإله واحد ، ويشمل ما يقولونه مما لم يحك في أول هذه السورة .

وقوله : { واذكر عبدنا داوودَ } إلى آخره يجوز أن يكون عطفاً على قوله : { اصبر على ما يقولون } بأن أُتبع أمره بالصبر وبالائتساء ببعض الأنبياء السابقين فيما لَقُوه من الناس ثم كانت لهم عاقبة النصر وكشف الكرب . ويجوز أن يكون عطفاً على مجموع ما تقدّم عطْفَ القصة على القصة والغرض هو هو . وابتدىء بذكر داود لأن الله أعطاه مُلْكاً وسلطاناً لم يكن لآبائه ففي ذكره إيماء إلى أن شأن محمد صلى الله عليه وسلم سيصير إلى العزة والسلطان ، ولم يكن له سلف ولا جند فقد كان حال النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بحال داود عليه السلام .

وأدمج في خلال ذلك الإِيماء إلى التحذير من الضجر في ذات الله تعالى واتقاءِ مراعاة حظوظ النفس في سياسة الأمة إبعاداً لرسوله صلى الله عليه وسلم عن مهاوي الخطأ والزلَل وتأديباً له في أول أمره وآخره مما أن يتلقى بالعَذَل . وكان داود أيضاً قد صبر على ما لقِيَه من حسد شاول ( طالوت ) ملك إسرائيل إياه على انتصاره على جالوت ملك فلسطين .

فالمصدر المتصرِّف منه { واذكر عبدنا داوود } هو الذكر بضم الذال وهو التذكرُّ وليس هو ذِكر اللسان لأنه إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لتسليته وحفظ كماله لا لِيُعْلمه المشركين ولا لِيُعْلِمه المسلمين على أن كِلا الأمرين حاصل تبعاً حين إبلاغ المنزَّل في شأن داود إليهم وقراءته عليهم . ومعنى الأمر بتذكر ذلك تذكر ما سبق إعلام النبي صلى الله عليه وسلم به من فضائله وتذكير ما عسى أن يكون لم يعلمه مما يعلم به في هذه الآية .

ووصفُ داود ب { عَبْدَنَا } وصفُ تشريف بالإِضافة بقرينة المقام كما تقدم عند قوله : { إلا عباد اللَّه المخلصين } في سورة [ الصافات : 40 ] .

و { الأَيْد } : القوة والشدة ، مصدر : آدَ يئيد ، إذا اشتدّ وقَوي ، ومنه التأييد التقوية ، قال تعالى : { فآواكم وأيدكم بنصره } في سورة [ الأنفال : 26 ] .

( وكان داود قد أعطي قوة نادرة وشجاعة وإقداماً عجيبين وكان يرمي الحجر بالمقلاع فلا يخطىءُ الرميَّة ، وكان يلوي الحديد ليصنعه سرداً للدروع بأصابعه ، وهذه القوة محمودة لأنه استعملها في نصر دين التوحيد .

وجملة { إنَّه أوَّابٌ } تعليل للأمر بذكره إيماء إلى أن الأمر لقصد الاقتداء به ، كما قال تعالى :

{ فبهداهم اقتده } [ الأنعام : 90 ] ، فالجملة معترضة بين جملة { واذكُرْ } وجملةِ بيانها وهي { إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ معه .

والأوّاب : الكثير الأوْب ، أي الرجوع . والمراد : الرجوع إلى ما أمر الله به والوقوف عند حدوده وتدارك ما فرط فيه . والتائب يطلق عليه الأوّاب ، وهو غالب استعمال القرآن وهو مجاز ولا تسمّى التوبة أوباً ، وزبور } داود المسمى عند اليهود ب« المزامير » مشتمل على كثير من الاستغفار وما في معناه من التوبة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ} (17)

قوله تعالى : ( اصبر على ما يقولون ) أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر لما استهزؤوا به . وهذه منسوخة بآية السيف . " واذكر عبدنا داود " لما ذكر من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم ، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على أذاهم ، وسلاه بكل ما تقدم ذكره . ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء ؛ ليتسلى بصبر من صبر منهم ؛ وليعلم أن له في الآخرة أضعاف ما أعطيه داود وغيره من الأنبياء . وقيل : المعنى اصبر على قولهم ، واذكر لهم أقاصيص الأنبياء ؛ لتكون برهانا على صحة نبوتك . وقول : " عبدنا " إظهارا لشرفه بهذه الإضافة " ذا الأيد " ذا القوة في العبادة . وكان يصوم يوما ويفطر يوما وذلك أشد الصوم وأفضله ، وكان يصلي نصف الليل ، وكان لا يفر إذا لاقى العدو ، وكان قويا في الدعاء إلى الله تعالى . ويقال : الأيد والآد كما تقول العيب والعاب . قال :

لم يكُ يَنْآدُ فأمْسَى انْآدَا***ومنه رجل أيد أي قوي .

وتأيَّد الشيء تقوَّى ، قال الشاعر :

إذا القوسُ وتَّرَهَا أَيِّدٌ *** رَمَى فأصابَ الكُلّى والذُّرَا

يقول : إذا الله وتر القوس التي في السحاب رمى كلى الإبل وأسمنها بالشحم . يعني من النبات الذي يكون من المطر . " إنه أواب " قال الضحاك : أي تواب . وعن غيره : أنه كلما ذكر ذنبه أو خطر على باله استغفر منه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة ) . ويقال آب يؤوب إذا رجع ، كما قال :

وكل ذي غيبة يؤوبُ *** وغائب الموت لا يؤوبُ

فكان داود رجاعا إلى طاعة الله ورضاه في كل أمر فهو أهل لأن يقتدى به .