التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ} (84)

أي قال الله تعالى تفريعاً ، وهذا التفريع نظير التفريع في قوله : { فبعزَّتِكَ لأُغوينهم أجمعينَ } [ ص : 82 ] .

وقوبل تأكيد عزمه الذي دل عليه قولُه { فبعزتك } [ ص : 82 ] بتأكيدٍ مثله ، وهو لفظ { الحقَّ } الدال على أن ما بعده حق ثابت لا يتخلف ، ولم يزد في تأكيد الخبر على لفظ { الحق } تذكيراً بأن وعد الله تعالى حق لا يحتاج إلى قَسَم عليه ترفعاً من جلال الله عن أن يقابل كلام الشيطان بقَسَم مثله . ولذلك زاد هذا المعنى تقريراً بالجملة المعترضة وهي { والحقّ أقول } الذي هو بمعنى : لا أقول إلا الحق ، ولا حاجة إلى القَسَم .

وقرأ الجمهور : { فالحقّ } بالنصب وانتصابه على المفعولية المطلقة بدلاً عن فعل من لفظه محذوففٍ تقديره : أُحقّ ، أي أُوْجب وأحقّق . وأصله التنكير ، فتعريفه باللام تعريف الجنس كالتعريف في : أرسلَها العِراك ، فهو في حكم النكرة وإنما تعريفه حِلية لفظية إشارة إلى ما يعرفه السامع من أن الحق ما هو وتقدم بيانه في أول الفاتحة .

وقرأه عاصم وحمزة بالرفع على أنه لمَّا تعرف باللام غلبت عليه الاسمية فتنوسي كونه نائباً عن الفعل . وهذا الرفع إما على الابتداء ، أي فالحق قولي ، أو فالحق لأملأنّ جهنم الخ ، على أن تكون جملة القَسَم قائمة مقام الخبر ، وإمّا على الخبرية ، أي فقولي الحقّ وتكون جملة { لأملأنَّ جهنَّمَ } مُفسر القول المحذوف ، ولا خلاف في نصب الحق من قوله : { والحق أقول . } وتقدم تفصيل ذلك في أول سورة الفاتحة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ} (84)

قوله تعالى : " قال فالحق والحق أقول " هذه قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة والكسائي . وقرأ ابن عباس ومجاهد وعاصم والأعمش وحمزة برفع الأول . وأجاز الفراء فيه الخفض . ولا اختلاف في الثاني في أنه منصوب ب " أقول " ونصب الأول على الإغراء أي فاتبعوا الحق واستمعوا الحق ، والثاني بإيقاع القول عليه . وقيل : هو بمعنى أحق الحق أي أفعله . قال أبو علي : الحق الأول منصوب بفعل مضمر أي يحق الله الحق ، أو على القسم وحذف حرف الجر ، كما تقول : الله لأفعلن ، ومجازه : قال فبالحق وهو الله تعالى أقسم بنفسه . " والحق أقول " جملة اعترضت بين القسم والمقسم عليه ، وهو توكيد القصة ، وإذا جعل الحق منصوبا بإضمار فعل كان " لأملأن " على إرادة القسم . وقد أجاز الفراء وأبو عبيدة أن يكون الحق منصوبا بمعنى حقا " لأملأن جهنم " وذلك عند جماعة من النحويين خطأ ، لا يجوز زيدا لأضربن ، لأن ما بعد اللام مقطوع مما قبلها فلا يعمل فيه . والتقدير على قولهما لأملأن جهنم حقا . ومن رفع " الحق " رفعه بالابتداء ، أي فأنا الحق أو الحق مني . رويا جميعا عن مجاهد . ويجوز أن يكون التقدير هذا الحق . وقول ثالث على مذهب سيبويه والفراء أن معنى فالحق لأملأن جهنم ، بمعنى فالحق أن أملأ جهنم . وفي الخفض قولان ، وهي قراءة ابن السميقع وطلحة بن مصرف : أحدهما أنه على حذف حرف القسم . هذا قول الفراء قال كما يقول : الله عز وجل لأفعلن . وقد أجاز مثل هذا سيبويه وغلطه فيه أبو العباس ولم يجز الخفض ؛ لأن حروف الخفض لا تضمر ، والقول الآخر أن تكون الفاء بدلا من واو القسم ؛ كما أنشدوا :

فمثلكِ حُبْلَى قد طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ*** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .