التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ} (75)

وقوله : { ذلكم بما كنتم تفرحون } تكملة القيل الذي يقال لهم حينَ إِذْ الإِغلالُ في أعناقهم . والإِشارة إلى ما هم فيه من العذاب . و ( مَا ) في الموضعين مصدرية ، أي ذلكم مسبب على فرحكم ومرحكم اللذين كانا لكم في الدنيا ، والأرض : مطلقة على الدنيا .

والفرح : المسرة ورضى الإِنسان على أحواله ، فهو انفعال نفساني . والمرح ما يَظهر على الفارح من الحركات في مشيه ونظره ومعاملته مع الناس وكلامه وتكبره فهو هيئة ظاهرية .

و { بِغَيْرِ الحَقِّ } يتنازعه كل من { تفرحون } و { تمرحون } أي تفرحون بما يسركم من الباطل وتزدهون بالباطل فمن آثار فرحهم بالباطل تطاولُهم على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن المرح بالباطل استهزاؤهم بالرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، قال تعالى : { وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين } [ المطففين : 30 ، 31 ] . فالفرح كلما جاء منهياً عنه في القرآن فالمراد به هذا الصنف منه ، كقوله تعالى : { إذ قال له قومه لا تفرح إن اللَّه لا يحب الفرحين } [ القصص : 76 ] لا كلُّ فَرح ، فإن الله امتنّ على المؤمنين بالفرح في قوله : { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللَّه } [ الروم : 4 ، 5 ] . وبين { تفرحون وتمرحون } الجناس المحرَّف .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ} (75)

قوله تعالى : " ذلكم " أي ذلكم العذاب " بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق " بالمعاصي يقال لهم ذلك توبيخا . أي إنما نالكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة . وقيل : إن فرحهم بها عندهم أنهم قالوا للرسل : نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذب . وكذا قال مجاهد في قوله جل وعز : " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم " [ غافر : 83 ] . " وبما كنتم تمرحون " قال مجاهد وغيره : أي تبطرون وتأشرون . وقد مضى في " سبحان " {[13401]} بيانه . وقال الضحاك : الفرح السرور ، والمرح العدوان . وروى خالد عن ثور عن معاذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لحمين ويبغض كل حبر سمين{[13402]} ) فأما أهل بيت لحمين : فالذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة . وأما الحبر السمين : فالمتحبر بعلمه ولا يخبر بعلمه الناس ، يعني المستكثر من علمه ولا ينتفع به الناس . ذكره الماوردي . وقد قيل في اللحمين : أنهم الذين يكثرون أكل اللحم ، ومنه قول عمر : اتقوا هذه المجازر فإن لها ضراوة{[13403]} كضراوة الخمر ، ذكره المهدوي . والأول قول سفيان الثوري .


[13401]:راجع ج 10 ص 260 طبعة أولى أو ثانية.
[13402]:الحديث في النهاية " إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".
[13403]:الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهي حال ناشئة عن الاعتياد.