التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ} (71)

والظرف الذي في قوله : { إذِ الأغلال في أعناقهم } متعلق ب { يعلمون } أي يعلمون في ذلك الزمن . وشأن ( إذْ ) أن تكون اسماً للزمن الماضي واستعملت هنا للزمن المستقبل بقرينة ( سوف ) فهو إما استعمالُ المجاز بعلاقة الإِطلاق ، وإما استعارة تبعية للزمن المستقبل المحقق الوقوع تشبيهاً بالزمن الماضي وقد تكرر ذلك . ومنه اقترانها ب ( يوم ) في نحو قوله : { يومئذ تحدث أخبارها } [ الزلزلة : 4 ] ، وقوله : { يومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللَّه } [ الروم : 4 ، 5 ] . وأول ما يعلمونه حين تكون الأغلال في أعناقهم أنهم يتحققون وقوع البعث .

والأغلال : جمع غُل ، بضم العين ، وهو حلقة من قدِّ أو حديد تحيط بالعنق تناط بها سلسلة من حديد ، أو سَير من قِدّ يُمسك بها المجرم والأسير .

والسلاسل : جمع سِلْسِلة بكسر السينين وهي مجموع حلق غليظة من حديد متصل بعضها ببعض .

ومن المسائل ما رأيته أن الشيخ ابن عرفة كان يوماً في درسه في التفسير سئل : هل تكون هذه الآية سنداً لما يفعله أمراء المغرب أصلحهم الله من وضع الجناة بالأغلال والسلاسل جرياً على حكم القياس على فعل الله في العقوبات كما استنبطوا بعض صور عقاب من عمل قوم لوط من الرجم بالحجارة ، أو الإِلقاء من شاهق . فأجاب بالمنع لأن وضع الغل في العنق ضرب من التمثيل وإنما يوثق الجاني من يده ، قال : لأنهم إنما قاسوا على فعل الله في الدنيا ولا يقاس على تصرفه في الآخرة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإِحراق بالنار ، وقوله : « إنما يعذب بها رب العزة »

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ} (71)

قوله تعالى : " إذ الأغلال في أعناقهم " أي عن قريب يعلمون بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار وغلت أيديهم إلى أعناقهم . قال التيمي : لو أن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود . " والسلاسل يسحبون " بالرفع قراءة العامة عطفا على الأغلال . قال أبو حاتم : " يسحبون " مستأنف على هذه القراءة . وقال غيره : هو في موضع نصب على الحال ، والتقدير : " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل " مسحوبين . وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود " والسلاسل " بالنصب " يسحبون " بفتح الياء والتقدير في هذه القراءة ويسحبون السلاسل . قال ابن عباس : إذا كانوا يجرونها فهو أشد عليهم وحكي عن بعضهم " والسلاسل " بالجر ووجهه أنه محمول على المعنى ، لأن المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل . قاله الفراء . وقال الزجاج : ومن قرأ " والسلاسل يسحبون " بالخفض فالمعنى عنده وفي " السلاسل يسحبون " . قال ابن الأنباري : والخفض على هذا المعنى غير جائز ؛ لأنك إذا قلت زيد في الدار لم يحسن أن تضمر " في " فتقول زيد الدار ، ولكن الخفض جائز . على معنى إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل ، فتخفض السلاسل على النسق على تأويل الأغلال ؛ لأن الأغلال في تأويل الخفض ، كما تقول : خاصم عبد الله زيدا العاقلين فتنصب العاقلين . ويجوز رفعهما ؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه ، أنشد الفراء :

قد سالَمَ الحَيَّاتِ منهُ القَدَمَا *** الأفْعُوَانَ والشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا{[13400]}

فنصب الأفعوان على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم . فمن نصب السلاسل أو خفضها لم يقف عليها .


[13400]:الشجعم: الضخم من الحيات.