التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ} (26)

لما ذكَّرهم الله بالأمم الماضية وشبه حالهم بحالهم ساق لهم أمثالاً في ذلك من مواقف الرسل مع أممهم منها قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه . وابتدأ بذكر إبراهيم وقومه إبطالاً لقول المشركين : { إنا وجدْنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } [ الزخرف : 22 ] ، بأن أوْلى آبائهم بأن يقتدوا به هو أبوهم الذي يفتخرون بنسبته إبراهيم .

وجملة { وإذ قال إبراهيم } عطف على عموم الكلام السابق من قوله : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قريةٍ من نذيرٍ } [ الزخرف : 23 ] إلى قوله : { وإذ قال إبراهيم } ، وهو عطف الغرض على الغرض .

و { إذْ } ظرف متعلق بمحذوف ، تقديره : واذْكُر إذ قال إبراهيم ، ونظائر هذا كثيرة في القرآن كما تقدم في قوله تعالى : { وإذ قال ربّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } في سورة البقرة ( 30 ) .

والمعنى : واذكر زمان قول إبراهيم لأبيه وقومه قولاً صريحاً في التبرّؤ من عبادة الأصنام . وخُصَّ أبو إبراهيم بالذكر قبلَ ذكر قومه وما هو إلا واحد منهم اهتماماً بذكره لأن براءة إبراهيم مما يَعبُد أبُوه أدَلُّ على تجنب عبادة الأصنام بحيث لا يتسامح فيها ولو كان الذي يعبدها أقربَ النّاس إلى موحّد الله بالعبادة مثل الأببِ ، ولتكون حكاية كلام إبراهيم قدوة لإبطال قول المشركين { وإنّا على آثارهم مهتدون } [ الزخرف : 22 ] قال تعالى : { قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءؤا منكم ومما تعبدون من دون الله } [ الممتحنة : 4 ] أي فما كان لكم أن تقتدوا بآبائكم المشركين وهلا اقتديتم بأفضل آبائكم وهو إبراهيم .

والبَرَاء بفتح الباء مصدر بوزن الفَعال مثل الظَّماء والسّماع يخبر به ويوصف به في لغة أهل العالية وهي ما فوق نجد إلى أرض تهامة مما وراء مكّة وأما أهل نجد فيقولون بَريء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ} (26)

قوله تعالى : " وإذ قال " أي ذكرهم إذ قال . " إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون " البراء يستعمل للواحد فما فوقه ، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث ؛ لأنه مصدر وضع موضع النعت ، لا يقال : البراءان والبراؤون ، لأن المعنى ذو البراء وذوو البراء . قال الجوهري : وتبرأت من كذا ، وأنا منه براء ، وخلاء منه لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر في الأصل ؛ مثل : سمع سماعا . فإذا قلت : أنا بريء منه وخلي ، ثنيت وجمعت وأنثت ، وقلت في الجمع : نحن منه براء مثل فقيه وفقهاء ، وبراء أيضا مثل كريم وكرام ، وأبراء مثل شريف وأشراف ، وأبرياء مثل نصيب وأنصباء ، وبريئون . وامرأة بريئة بريئتان وهن بريئات وبرايا . ورجل بريء وبراء مثل عجيب وعجاب .

والبراء ( بالفتح ) أول ليلة من الشهر ، سميت بذلك لتبرؤ القمر من الشمس .