التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ} (31)

عطف على جملة { قالوا هذا سحر } [ الزخرف : 30 ] فهو في حيّز جواب { لمّا } [ الزخرف : 30 ] التوقيتية واقع موقع التعجيب أيضاً ، أي بعد أن أخذوا يتعللون بالعلل لإنكار الحق إذ قالوا للقرآن : هذا سحر ، وإذ كان قولهم ذلك يقتضي أن الذي جاء بالقرآن ساحِر انتُقل إلى ذِكر طعن آخر منهم في الرّسول بأنه لم يكن من عظماء أهل القريتين .

ولولا } أصله حرف تحْضيض ، استعمل هنا في معنى إبطال كونه رسولاً على طريقة المجاز المرسل بعلاقة الملازمة لأن التحْضيض على تحصيل ما هو مقطوع بانتفاء حصوله يستلزم الجزم بانتفائه .

والقريتان هما : مكة والطائف لأنّهما أكبر قُرى تهامة بلد القائلين وأما يثرب وتيماء ونحوهما فهي من بلد الحجاز . فالتعريف في { القريتين } للعهد ، جعلوا عماد التأهل لسيادة الأقوام أمرين : عظمة المسوّد ، وعظمة قريته ، فهم لا يدينون إلا من هو من أشهر القبائل في أشهر القرى لأن القرى هي مأوى شؤون القبائل وتموينهم وتجارتهم ، والعظيم : مستعار لصاحب السؤدد في قومه ، فكأنه عظيم الذات .

روي عن ابن عباس أنهم عَنَوْا بعظيم مكة الوليدَ بن المغيرة المخزومي ، وبعظيم الطائف حبيب بن عمرو الثقفي . وعن مُجاهد أنهم عنَوا بعظيم مكة عتبة بن رَبيعة وبعظيم الطائف كنانة بن عبد يَالِيل . وعن قتادة عنوا الوليدَ بن المغيرة وَعُروة بن مسعود الثقفي . ثم يحتمل أنهم قالوا هذا اللّفظ المحكي عنهم في القرآن ولم يسموا شخصين معيّنَيْن ، ويحتمل أنهم سمّوا شخصين ووصفوهما بهذين الوصفين ، فاقتصر القرآن على ذكر الوصفين إيجازاً مع التنبيه على ما كانوا يؤهلون به الاختيار للرسالة تحميقاً لرأيهم .

وكان الرجلان اللّذان عَنوهما ذَوَيْ مال لأنّ سَعة المال كانت من مقومات وصف السؤدد كما حكي عن بني إسرائيل قولهم : { ولم يؤت سعةً من المال } [ البقرة : 247 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ} (31)

" وقالوا لولا نزل " أي هلا نزل " هذا القرآن على رجل " وقرئ " على رجل " بسكون الجيم . " من القريتين عظيم " أي من إحدى القريتين ، كقوله تعالى : " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " [ الرحمن : 22 ] أي من أحدهما . أو على أحد رجلين من القريتين . القريتان : مكة والطائف . والرجلان : الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم عم أبي جهل . والذي من الطائف أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي ، قاله قتادة . وقيل : عمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف ، وعتبة بن ربيعة من مكة ، وهو قول مجاهد . وعن ابن عباس : أن عظيم الطائف حبيب بن عمرو الثقفي . وقال السدي : كنانة بن عبد بن عمرو . روي أن الوليد بن المغيرة - وكان يسمى ريحانة قريش كان يقول : لو كان ما يقول محمد حقا لنزل علي أو على أبي مسعود .