التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ} (42)

وجملة { ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } صفة ثانية ، أو حال ، فهو ارتقاء في مضرة هذا الريح فإنه لا ينفع وأنه يضر أضراراً عظيمة .

وصيغ { تذر } : بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة . و { شيء } في معنى المفعول ل { تذر } فإن ( مِن ) لتأكيد النفي والنكرة المجرورة ب ( من ) هذه نص في نفي الجنس ولذلك كانت عامة ، إلا أن هذا العموم مخصص بدليل العقل لأن الريح إنما تُبلي الأشياء التي تمر عليها إذا كان شأنها أن يتطرق إليها البِلى ، فإن الريح لا تُبلي الجبال ولا البحار ولا الأودية وهي تمر عليها وإنما تُبلي الديار والأشجار والناس والبهائم ، ومثله قوله تعالى : { تدمر كل شيء بأمر ربها } [ الأحقاف : 25 ] .

وجملة { جعلته كالرميم } في موضع الحال من ضمير { الريح } مستثناة من عموم أحوال { شيء } يبين المعرف ، أي ما تذر من شيء أتت عليه في حال من أحوال تدميرها إلا في حال قد جعلته كالرميم .

والرميم : العظم الذي بلِي . يقال : رَمَّ العظم ، إذ بَلى ، أي جعلتْه مفتتاً .

والمعنى : وفي عاد آية للذين يخافون العذاب الأليم إذ أرسل الله عليهم الريح . والمراد : أن الآية كائنة في أسباب إرسال الريح عليهم وهي أسباب تكذيبهم هوداً وإشراكهم بالله وقالوا : { من أشد منا قوة } [ فصلت : 15 ] ، فيحذر من مثل ما حلّ بهم أهل الإِيمان . وأما الذين لا يخافون العذاب الأليم من أهل الشرك فهم مصرّون على كفرهم كما أصرت عاد فيوشك أن يحلّ بهم من جنس ما حلّ بعاد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ} (42)

قوله تعالى : " ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم " أي كالشيء الهشيم ؛ يقال للنبت إذا يبس وتفتت : رميم وهشيم . قال ابن عباس : كالشيء الهالك البالي ، وقاله مجاهد : ومنه قول الشاعر{[14250]} :

تركتَني حين كَفَّ الدهرُ من بصري *** وإذْ بقيتُ كعظم الرِّمَّةِ البالي

وقال قتادة : إنه الذي دِيس من يابس النبات . وقال أبو العالية والسدي : كالتراب المدقوق . قطرب : الرميم الرماد . وقال يمان : ما رمته الماشية من الكلأ بمرمتها . ويقال للشفة المِرَمَّة والمِقَمَّة بالكسر ، والمرمة بالفتح لغة فيه . وأصل الكلمة من رَمَّ العظم إذا بلي ، تقول منه : رم العظم يرم بالكسر رمة فهو رميم ، قال الشاعر{[14251]} :

ورأى عواقبَ خلفَ ذاك مَذَمَّةً *** تَبْقَى عليه والعظامُ رَمِيمُ

والرمة بالكسر العظام البالية والجمع رمم ورمام . ونظير هذه الآية : " تدمر كل شيء " [ الأحقاف : 25 ] حسب ما تقدم{[14252]} .


[14250]:هو جرير يرثي ابنه.
[14251]:من ن.
[14252]:راجع جـ 16 ص 206.