التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ} (8)

و { البلاد } : جمعَ بَلَد وبلْدة وهي مساحة واسعة من الأرض معيَّنة بحدود أو سكان .

والتعريف في { البلاد } للجنس والمعنى : التي لم يخلق مثل تلك الأمة في الأرض . وأريد بالخلق خلق أجسادهم فقد رُوي أنهم كانوا طِوالاً شداداً أقوياء ، وكانوا أهل عقل وتدبير ، والعرب تضرب المثل بأحلام عاد ، ثم فسدت طباعهم بالترف فبطروا النعمة .

والظاهر أن لام التعريف هنا للاستغراق العُرفي ، أي في بلدان العرب وقبائلهم .

وقد وضع القصاصون حول قوله تعالى : { إرم ذات العماد } قصةً مكذوبة فزعموا أن { إرم ذات العماد } مركب جعل اسماً لمدينة باليَمن أو بالشام أو بمصر ، ووصفوا قصورها وبساتينها بأوصاف غير معتادة ، وتقوَّلوا أن أعرابياً يقال له : عبدُ الله بن قلابة كان في زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان تاهَ في ابتغاء إبلٍ له فاطَّلع على هذه المدينة وأنه لما رجع أخبر الناس فذهبوا إلى المكان الذي زعم أنه وجَد فيه المدينة فلم يجدوا شيئاً . وهذه أكاذيب مخلوطة بجهالة إذ كيف يصح أن يكون اسمَها أرم ويتبع بذاتِ العماد بفتح { إرَمَ } وكسر { ذاتِ } فلو كان الاسم مركباً مَزْجياً لكان بناء جزأيْه على الفتح ، وإن كان الاسم مفرداً و { ذات } صفة له فلا وجه لكسر { ذات } ، على أن موقع هذا الاسم عقب قوله تعالى : { بعاد } يناكد ذلك كله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ} (8)

قوله تعالى : " التي لم يخلق مثلها في البلاد " الضمير في " مثلها " يرجع إلى القبيلة . أي لم يخلق مثل القبيلة في البلاد : قوة وشدة ، وعظم أجساد ، وطول قامة ، عن الحسن وغيره . وفي حرف عبد الله " التي لم يخلق مثلهم في البلاد " . وقيل : يرجع للمدينة . والأول أظهر ، وعليه الأكثر ، حسب ما ذكرناه . ومن جعل " إرم " مدينة قدر حذفا . المعنى : كيف فعل ربك بمدينة عاد إرم ، أو بعد صاحبه إرم . وإرم على هذا : مؤنثة معرفة . واختار ابن العربي أنها دمشق ، لأنه ليس في البلاد مثلها . ثم أخذ ينعتها بكثرة مياهها وخيراتها . ثم قال : وإن في الإسكندرية لعجائب ، لو لم يكن إلا المنارة ، فإنها مبنية الظاهر والباطن على العمد ، ولكن لها أمثال ، فأما دمشق فلا مثل لها . وقد روى معن عن مالك أن كتابا وجد بالإسكندرية ، فلم يدر ما هو ؟ فإذا فيه : أنا شداد بن عاد ، الذي رفع العماد ، بنيتها حين لا شيب ولا موت . قال مالك : إن كان لتمر بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة . وذكر عن ثور بن زيد{[16039]} أنه قال : أنا شداد بن عاد ، وأنا رفعت العماد ، وأنا الذي شددت بذراعي بطن الواد ، وأنا الذي كنزت كنزا على سبعة أذرع ، لا يخرجه إلا أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم . وروي أنه كان لعاد ابنان : شداد وشديد . فملكا وقهرا ، ثم مات شديد ، وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ، ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة ، فقال : أبني مثلها . فبنى إرم في بعض صحاري عدن ، في ثلثمائة سنة ، وكان عمره تسعمائة سنة . وهي مدينة عظيمة ، قصورها من الذهب والفضة ، وأساطينها{[16040]} من الزبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة{[16041]} . ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة ، بعث اللّه عليهم صيحة من السماء فهلكوا . وعن عبد اللّه بن قلابة : أنه خرج في طلب إبل له ، فوقع عليها ، فحمل ما قدر عليه مما ثم ، وبلغ خبره معاوية فاستحضره ، فقص عليه ، فبعث إلى كعب{[16042]} فسأله ، فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك ، أحمر أشقر قصير ، على حاجبه خال ، وعلى عقبه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة ، وقال : هذا واللّه ذلك الرجل . وقيل : أي لم يخلق مثل أبنية عاد المعروفة بالعمد . فالكناية للعماد . والعماد على هذا : جمع عمد . وقيل : الإرم : الهلاك . يقال : أرم بنو فلان : أي هلكوا{[16043]} ؛ وقال ابن عباس . وقرأ الضحاك : " أرم{[16044]} ذات العماد " . أي أهلكهم ، فجعلهم رميما{[16045]} .


[16039]:في الأصول: "يزيد" وهو تحريف.
[16040]:الأساطين: جمع الأسطوانة، وهي العمود والسارية.
[16041]:أي الجارية.
[16042]:يريد: كعبا الحبر، عالم أهل الكتاب.
[16043]:حكاه الطبري.
[16044]:كذا بفتح الهمزة والراء. حكاه الشوكاني في فتح القدير (5/432).
[16045]:قوله (جعلهم رميما) بيان للمعنى، وليس تفسيرا للاشتقاق.