التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ} (9)

وذِكْر الشفتين مع اللسان لأن الإِبانة تحصل بهما معاً فلا ينطق اللسان بدون الشّفتين ولا تنطق الشفتان بدون اللسان .

ومن دقائق القرآن أنه لم يقتصر على اللسان ولا على الشفتين خلاف عادة كلام العرب أن يقتصروا عليه يقولون : ينطق بلساننٍ فصيح ، ويقولون : لم ينطق ببنت شفة ، أو لم ينبس ببنت شفة ، لأن المقام مقام استدلال فجيء فيه بما له مزيد تصوير لخلق آلة النطق .

وأعقب ما به اكتساب العلم وما به الإِبانة عن المعلومات ، بما يرشد الفكرَ إلى النظر والبحث وذلك قوله : { وهديناه النجدين } .

فاستكمل الكلامُ أصول التعلُّم والتعليم فإن الإِنسان خُلق محباً للمعرفة محباً للتعريف فبمشاعر الإِدراك يكتسب المشاهدات وهي أصول المعلومات اليقينية ، وبالنطق يفيد ما يَعْلَمه لغيره ، وبالهدي إلى الخير والشر يميز بين معلوماته ويمحصها .

والشفتان هما الجِلدتان اللتان تستران الفم وأسنانه وبهما يُمتص الماء ، ومن انفتاحهما وانغلاقهما تتكيف أصوات الحروف التي بها النطق وهو المقصود هنا .

وأصل شفة شَفَو نقص منه الواو وعوض عنه هاء فيجمع على شفوات ، وقيل : أصله شفه بهاء هي لام الكلمة فعُوضَ عنها هاء التأنيث فيجمع على شفهات وشِفاه . والذي يظهر أن الأصل شفه بهاء أصلية ثم عوملت الهاء معاملة هاء التأنيث تخفيفاً في حالة الوصل فقالوا : شفة ، وتنوسي بكثرة الاستعمال فعومل معاملة هاء التأنيث في التثنية كما في الآية وهو الذي تقضيه تثنيته على شفتين دون أن يقولوا : شفوين ، فإنهم اتفقوا على أن التثنية تردّ الاسم إلى أصله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ} (9)

ثم عدد عليه نعمه فقال : " ألم نجعل له عينين " يبصر بهما " ولسانا " ينطق به . " وشفتين " يستر بهما ثغره . والمعنى : نحن فعلنا ذلك ، ونحن نقدر على أن نبعثه ونحصي عليه ما عمله . وقال أبو حازم : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى قال : يا ابن آدم ، إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك ، فقد أعنتك عليه بطبقين ، فأطبق ، وإن نازعك بصرك فيما حرمت عليك ، فقد أعنتك عليه بطبقين ، فأطبق ، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك ، فقد أعنتك عليه بطبقين ، فأطبق ) . والشفة : أصلها شفهة ، حذفت منها الهاء ، وتصغيرها : شفيهة ، والجمع : شفاه . ويقال : شفهات وشفوات ، والهاء أقيس ، والواو أعم ، تشبيها بالسنوات . وقال الأزهري : يقال هذه شفة في الوصل وشفه ، بالتاء والهاء . وقال قتادة : نعم الله ظاهرة ، يقررك بها حتى تشكر .