التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ} (16)

والمسكين : الفقير ، وتقدم في سورة البقرة ( 184 ) عند قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين وذا متربة } صفة لمسكين جعلت المتربة علامة على الاحتياج بحسب العرف .

والمَتربة مصدر بوزن مفْعَلة أيضاً وفعِله تَرِب يقال : ترب ، إذا نام على التراب أي لم يكن له ما يفترشه على الأرض ، وهو في الأصل كناية عن العُروِّ من الثياب التي تحول بين الجسد والأرض عند الجلوس والاضطجاع وقريب منه قولهم في الدعاء : تَرِبت يمينك : وتربَت يداك .

و { أو } للتقسيم وهو معنى من معاني ( أو ) جاء من إفادة التخيير .

واعلم أنه إن كان المراد بالإنسان الجنس المخصوص ، أي المشركين كان نفي فكّ الرقاب والإِطعام كنايةً عن انتفاء تحلّيهم بشرائع الإِسلام لأن فكّ الرقاب وإطعام الجياع من القُربات التي جاء بها الإِسلام من إطعام الجياع والمحاويج وفيه تعريض بتعيير المشركين بأنهم إنما يحبون التفاخر والسمعة وإرضاء أنفسهم بذلك ، أو لمؤانسة الأخلاّء وذلك غالب أحوالهم ، أي لم يطعموا يتيماً ولا مسكيناً في يوم مسغبة ، أي هو الطعام الذي يرضاه الله لأن فيه نفع المحتاجين من عباده . وليس مثل إطعامكم في المآدب والولائم والمنادمة التي لا تعود بالنفع على المطعَمين لأن تلك المطاعم كانوا يدْعُون لها أمثالهم من أهل الجِدّة دون حاجة إلى الطعام وإنما يريدون المؤانسة أو المفاخرة .

وفي حديث مسلم " شر الطعام طعامُ الوليمة يُمْنَعْها من يأتيها ويُدعى إليها من يأباها " وروى الطبراني : " شرّ الطعام طعام الوليمة يُدعى إليه الشَّبْعان ويُحبس عنه الجائع " .

وإن كان المراد من الإِنسان واحداً معيناً جاز أن يكون المعنى على نحو ما تقدم ، وجاز أن يكون ذَمّاً له باللّؤْم والتفاخرِ الكاذب ، وفضحاً له بأنه لم يسبق منه عمل نافع لقومه قبل الإِسلام فلم يغرم غرامة في فَكاك أسير أو مأخوذٍ بدم أو مَنّ بحُرية على عبدٍ .

وأيَّاَ مَّا كان فليس في الآية دلالة على أن الله كلف المشركين بهذه القرب ولا أنه عاقبهم على تركهم هذه القربات ، حتى تفرض فيه مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة وهي مسألة قليلة الجدوى وفرضها هنا أقل إجداء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ} (16)

قوله تعالى : " أو مسكينا ذا متربة " أي لا شيء له ، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر ، ليس له مأوى إلا التراب . قال ابن عباس : هو المطروح على الطريق ، الذي لا بيت له . مجاهد : هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره . وقال قتادة : إنه ذو العيال . عكرمة : المديون . أبو سنان : ذو الزمانة . ابن جبير : الذي ليس له أحد . وروى عكرمة عن ابن عباس : ذو المتربة البعيد التربة ، يعني الغريب البعيد عن وطنه . وقال أبو حامد الخارزنجي : المتربة هنا : من التَّريب ، وهي شدة الحال . يقال ترب : إذا افتقر . قال الهذلي :

وكنا إذا ما الضيفُ حلَّ بأرضنا *** سفكنا دماءَ البُدْنِ في تُرْبَةِ الحالِ

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي : " فكَّ " بفتح الكاف ، على الفعل الماضي . " رقبة " نصبا لكونها مفعولا " أو أَطعم " بفتح الهمزة نصب الميم ، من غير ألف ، على الفعل الماضي أيضا ؛ لقوله : " ثم كان من الذين آمنوا " فهذا أشكل ب " فك وأطعم " . وقرأ الباقون : " فك " رفعا ، على أنه مصدر فككت . " رقبة " خفض بالإضافة . " أو إطعام " بكسر الهمزة وألف ورفع الميم وتنوينها على المصدر أيضا . واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ؛ لأنه تفسير لقوله تعالى : " وما أدراك ما العقبة " ؟ ثم أخبره فقال : " فك رقبة أو إطعام " . المعنى : اقتحام العقبة : فك رقبة أو إطعام . ومن قرأ بالنصب فهو محمول على المعنى ، أي ولا فك رقبة ، ولا أطعم في يوم ذا مسغبة ، فكيف يجاوز العقبة . وقرأ الحسن وأبو رجاء : " ذا مسغبة " بالنصب على أنه مفعول " إطعام " أي يطعمون ذا مسغبة و " يتيما " بدل منه . الباقون " ذي مسغبة " فهو صفة ل " يوم " . ويجوز أن يكون قراءة النصب صفة لموضع الجار والمجرور لأن قوله : " في يوم " ظرف منصوب الموضع ، فيكون وصفا له على المعنى دون اللفظ .