التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ} (106)

الغلب حقيقته : الاستيلاء والقهر . وأطلق هنا على التلبس بالشقوة دون التلبس بالسعادة . ومفعول { غلبت } محذوف يدل عليه { شقوتنا } لأن الشقوة تقابلها السعادة ، أي غلبت شقوتنا السعادة . والمجرور ب ( على ) بعد مادة الغلب هو الشيء المتغالب عليه كما في الحديث « قال النساء : غلبنا عليك الرجال » . مُثِّلَت حالة اختيارهم لأسباب الشقوة بدل أسباب السعادة بحالة غائرة بين السعادة والشقاوة على نفوسهم . وإضافة الشقوة إلى ضميرهم لاختصاصها بهم حين صارت غالبة عليهم .

والشِّقوة بكسر الشين وسكون القاف في قراءة الجمهور . وهي زنة الهيئة من الشقاء . وقرأ حمزة والكسائي وخلف { شقاوتنا } بفتح الشين وبألف بعد القاف وهو مصدر على صيغة الفعالة مثل الجزالة والسذاجة . وزيادة قوله { قوماً } على أن الضلالة من شيمتهم وبها قوام قوميتهم كما تقدم عند قوله { لآيات لقوم يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ) وعند قوله { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } في آخر سورة يونس ( 101 ) .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ} (106)

99

وكأنما يخيل إليهم - وقد سمعوا هذا السؤال - أنهم مأذونون في الكلام ، مسموح لهم بالرجاء . وأن الأعتراف بالذنب قد يجدي في قبول الرجاء :

( قالوا : ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين . ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ) . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ} (106)

قوله تعالى : " قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا " قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم " شقوتنا " وقرأ الكوفيون إلا عاصما " شقاوتنا " . وهذه القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن . ويقال : شقاء وشقا ، بالمد والقصر . وأحسن ما قيل في معناه : غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا ، فسمى اللذات والأهواء شقوة ؛ لأنهما يؤديان إليها ، كما قال الله عز وجل : " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا " {[11724]}[ النساء : 10 ] ؛ لأن ذلك يؤديهم إلى النار . وقيل : ما سبق في علمك وكتب علينا في أم الكتاب من الشقاوة . وقيل : حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق . " وكنا قوما ضالين " أي كنا في فعلنا ضالين عن الهدى . وليس هذا اعتذار منهم إنما هو إقرار ، ويدل على ذلك قولهم : " ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون "


[11724]:راجع ج 5 ص 53.