التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (19)

إنشاء الجنات من صنع الله تعالى أول إنبات الجنات في الأرض ومن بعد ذلك أنبتت الجنات بغرس البشر وذلك أيضاً من صنع الله بمَا أودع في العقول من معرفة الغرس والزرع والسقي وتفجير المياه واجتلابها من بُعد فكل هذا الإنشاء من الله تعالى .

والجنَّة : المكان ذو الشجر ، وأكثر إطلاقه على ما كان فيه نخل وكَرْم . وقد تقدم عند قوله تعالى : { كمثَل جنة بربوة } الآية في سورة البقرة ( 265 ) .

وما ذكر هنا من أصناف الشجر الثلاثة هو أكرم الشجر وأنفعه ثمراً وهو النخيل والأعناب والزيتون ، وتقدم الكلام على النخيل والأعناب والزيتون في سورة الأنعام ( 99 ) وفي سورة النحل ( 11 ) .

والفواكه : جمع فاكهة ، وهي الطعام الذي يتفكه بأكله ، أي يتلذذ بطعمه من غير قصد القوت ، فإن قُصد به القوت قيل له طَعام .

فمن الأطعمة ما هو فاكهة وطعام كالتمْر والعِنب لأنه يؤكل رطباً ويابساً ، ومنها ما هو فاكهة وليس بطعام كاللوز والكمثرى ، ومنها ما هو طعام غير فاكهة كالزيتون ، ولذلك أخر ذكر شجرة الزيتون عن ذكر أخويها لأنه أريد الامتنان بما في ثمرتهما من التفكه والقوت فتكون منَّة بالحاجيِّ والتحسيني .

ووصف الفواكه ب { كثيرة } باعتبار اختلاف الأصناف كالبسر والرطب والتمر ، وكالزيت والعنب الرّطْب ، وأيضاً باعتبار كثرة إثمار هذين الشجَريْن .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (19)

17

ومن الماء تنشأ الحياة :

( فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب ، لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ) . .

والنخيل والأعناب نموذجان من الحياة التي تنشأ بالماء في عالم النبات - كما ينشأ الناس من ماء النطفة في عالم الإنسان - نموذجان قريبان لتصور المخاطبين إذ ذاك بالقرآن ، يشيران إلى نظائرهما الكثيرة التي تحيا بالماء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (19)

فيه مسألتان :

الأولى-قوله تعالى : " فأنشأنا " أي جعلنا ذلك سبب النبات ، وأوجدناه به وخلقناه . وذكر تعالى النخيل والأعناب ؛ لأنها ثمرة الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما ، قاله الطبري . ولأنها أيضا أشرف الثمار ، فذكرها تشريفا لها وتنبيها عليها . " لكم فيها " أي في الجنات . " فواكه " من غير الرطب والعنب . ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب خاصة إذ فيها مراتب وأنواع ، والأول أعم لسائر الثمرات .

الثانية-من حلف ألا يأكل فاكهة ، في الرواية عندنا يحنث بالباقلاء الخضراء وما أشبهها . وقال أبو حنيفة : لا يحنث بأكل القثاء والخيار والجزر ، لأنها من القبول لا من الفاكهة . وكذلك الجوز واللوز والفستق ؛ لأن هذه الأشياء لا تعد من الفاكهة وإن أكل تفاحا أو خوخا أو مشمشا أو تينا أو إجاصا يحنث . وكذلك البطيخ ؛ لأن هذه الأشياء كلها تؤكل على جهة التفكه قبل الطعام وبعده ، فكانت فاكهة . وكذلك يابس هذه الأشياء إلا البطيخ اليابس ؛ لأن ذلك لا يؤكل إلا في بعض البلدان . ولا يحنث بأكل البطيخ الهندي لأنه لا يعد من الفواكه . وإن أكل عنبا أو رمانا أو رطبا لا يحنث . وخالفه صاحباه فقالا يحنث ؛ لأن هذه الأشياء من أعز الفواكه ، وتؤكل على وجه التنعم . والإفراد لها بالذكر في كتاب الله عز جل لكمال معانيها ، كتخصيص جبريل وميكائيل من الملائكة . واحتج أبو حنيفة بأن قال : عطف هذه الأشياء على الفاكهة مرة فقال " فيهما فاكهة ونخل ورمان " {[11641]} [ الرحمن : 68 ] ومرة عطف الفاكهة على هذه الأشياء فقال : " وفاكهة{[11642]}وأبا " [ عبس : 31 ] والمعطوف غير المعطوف عليه ، ولا يليق بالحكمة ذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين في موضع المنة . والعنب والرمان يكتفى بهما في بعض البلدان فلا يكون فاكهة ، ولأن ما كان فاكهة لا فرق بين رطبه ويابسه ، ويابس هذه الأشياء لا يعد فاكهة فكذلك رطبها .


[11641]:راجع ج 17 ص 185.
[11642]:راجع ج 19 ص 20.