التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (17)

بعد أن بيّن الله تعالى ما في خبر الإفك من تَبعات لحق بسببها للذين جاءوا به والذين تقبلوه عديدُ التوبيخ والتهديد ، وافتضاحٌ للذين روّجوه وخيبةٌ مختلقة بنقيض قصدهم ، وانتفاعٌ للمؤمنين بذلك ، وبيّن بادىء ذي بدء أنه لا يحسب شراً لهم بل هو خير لهم ، وأن الذين جاءوا به ما اكتسبوا به إلا إثماً ، وما لحق المسلمين به ضر ، ونعى على المؤمنين تهاونهم وغفلتهم عن سوء نية مختلقيه ، وكيف ذهلوا عن ظن الخير بمن لا يعلمون منها إلا خيراً فلم يفندوا الخبر ، وأنهم اقتحموا بذلك ما يكون سبباً للحاق العذاب بهم في الدنيا والآخرة ، وكيف حسبوه أمراً هيّناً وهو عند الله عظيم ، ولو تأملوا لعلموا عظمه عند الله ، وسكوتَهم عن تغيير هذا ؛ أعقب ذلك كله بتحذير المؤمنين من العود إلى مثله من المجازفة في التلقي ، ومن الاندفاع وراء كل ساع دون تثبت في مواطىء الأقدام ، ودون تبصر في عواقب الإقدام .

والوعظ : الكلام الذي يطلب به تجنب المخاطب به أمراً قبيحاً . وتقدم في آخر سورة النحل ( 125 ) .

وفعل { يعظكم } لا يتعدى إلى مفعول ثان بنفسه ، فالمصدر المأخوذ من { أن تعودوا } لا يكون معمولاً لفعل { يعظكم } إلا بتقدير شيء محذوف ، أو بتضمين فعل الوعظ معنى فعل متعدّ ، أو بتقدير حرف جر محذوف ، فلك أن تضمّن فعل { يعظكم } معنى التحذير . فالتقدير : يحذركم من العود لمثله ، أو يقدّر : يعظكم الله في العود لمثله ، أو يقدر حرف نفي ، أي أن لا تعودوا لمثله ، وحذف حرف النفي كثير إذا دل عليه السياق ، وعلى كل الوجوه يكون في الكلام إيجاز .

والأبد : الزمان المستقبل كله ، والغالب أن يكون ظرفاً للنفي .

وقوله : { إن كنتم مؤمنين } تهييج وإلهاب لهم يبعث حرصهم على أن لا يعودوا لمثله لأنهم حريصون على إثبات إيمانهم ، فالشرط في مثل هذا لا يقصد بالتعليق ، إذ ليس المعنى : إن لم تكونوا مؤمنين فعودوا لمثله ، ولكن لما كان احتمال حصول مفهوم الشرط مجتنباً كان في ذكر الشرط بعث على الامتثال ، فلو تكلم أحد في الإفك بعد هذه الآية معتقداً وقوعه فمقتضى الشرط أنه يكون كافراً وبذلك قال مالك . قال ابن العربي : قال هشام بن عمار : « سمعت مالكاً يقول : مَن سَبَّ أبا بكر وعمر أُدِّب ، ومَن سَبَّ عائشة قُتل لأن الله يقول : { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين } فمن سَبَّ عائشة فقد خالف القرآن ومن خالف القرآن قُتل » اه . يريد بالمخالفة إنكار ما جاء به القرآن نصاً وهو يرى أن المراد بالعود لمثله في قضية الإفك لأن الله برأها بنصوص لا تقبل التأويل ، وتواتر أنها نزلت في شأن عائشة . وذكر ابن العربي عن الشافعية أن ذلك ليس بكفر . وأما السب بغير ذلك فهو مساو لسبِّ غيرها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (17)

وعندما تصل هذه اللمسة إلى أعماق القلوب فتهزها هزا ؛ وهي تطلعها على ضخامة ما جنت وبشاعة ما عملت . . عندئذ يجيء التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم :

( يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ) . .

( يعظكم ) . . في أسلوب التربية المؤثر . في أنسب الظروف للسمع والطاعة والاعتبار . مع تضمين اللفظ معنى التحذير من العودة إلى مثل ما كان : ( يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ) . . ومع تعليق إيمانهم على الانتفاع بتلك العظة : ( إن كنتم مؤمنين ) . . فالمؤمنون لا يمكن أن يكشف لهم عن بشاعة عمل كهذا الكشف ، وأن يحذروا منه مثل هذا التحذير ، ثم يعودوا إليه وهم مؤمنون :

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (17)

السادسة عشرة-قوله تعالى : " يعظكم الله أن تعودوا لمثله " يعني في عائشة ؛ لأن مثله لا يكون إلا نظير القول المقول عنه بعينه ، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لما في ذلك من إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله ، وذلك كفر من فاعله .

السابعة عشرة-قال هشام بن عمار سمعت مالكا يقول : من سب أبا بكر وعمر أدب ، ومن سب عائشة قتل لأن الله تعالى يقول : " يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين " فمن سب عائشة فقد خالف القرآن ، ومن خالف القرآن قتل .

قال ابن العربي : قال أصحاب الشافعي من سب عائشة رضي الله عنها أدب كما في سائر المؤمنين ، وليس قوله : " إن كنتم مؤمنين " في عائشة [ لأن ذلك ]{[11838]} كفر ، وإنما هو كما قال عليه السلام : ( لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ) . ولو كان سلب الإيمان في سب من سب عائشة حقيقة لكان سلبه في قوله : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) حقيقة . قلنا : ليس{[11839]} كما زعمتم ؛ فإن{[11840]} أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله تعالى فكل من سبها بما برأها الله منه مكذب لله ، ومن كذب الله فهو كافر ، فهذا طريق قول مالك ، وهي سبيل لائحة{[11841]} لأهل البصائر . ولو{[11842]} أن رجلا سب عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب .


[11838]:زيادة عن ابن العربي.
[11839]:في الأصول: "لئن كان كما زعمتم أن أهل"والتصويب عن ابن العربي.
[11840]:في الأصول وابن العربي: "أن" بدون فاء.
[11841]:في الأصول: "الآية".
[11842]:في الأصل: "ولو أن رجلا سب عائشة بعين-في ك: ببعض ما برأها الله منه لكان جزاؤه الكفر". والتصويب عن ابن العربي