أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ} (22)

{ إلهكم إله واحد } تكرير للمدعي بعد إقامة الحجج . { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم مُنكِرة وهم مستكبرون } بيان لما اقتضى إصرارهم بعد وضوح الحق وذلك عدم إيمانهم بالآخرة ، فإن المؤمن بها يكون طالبا للدلائل متأملا فيما يسمع فينتفع به ، والكافر بها يكون حاله بالعكس وإنكار قلوبهم ما لا يعرف إلا بالبرهان إتباعا للأسلاف وركونا إلى المألوف ، فإنه ينافي النظر والاستكبار عن أتباع الرسول وتصديقه والالتفات إلى قوله ، والأول هو العمدة في الباب ولذلك رتب عليه ثبوت الآخرين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ} (22)

{ إلهكم إله واحد } على معنى أن الإله واحد يوم القيامة نظير { مالك يَوْمِ الدين } [ الفاتحة : 4 ] قال أبو حيان : ولا يصح هذا القول لأن { أيان } [ النحل : 21 ] إذ ذاك تخرج عما استقر فيها من كونها ظرفاً إما استفهاماً أو شرطاً وتتمحض للظرفية بمعنى وقت مضافاً للجملة بعده نحو وقت يقوم زيد أقوم ، على أن هذا التعلق في نفسه خلاف الظاهر ، والظاهر أن قوله سبحانه : { ألهاكم } تصريح بالمدعي وتلخيص للنتيجة غب إقامة الحجة { فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } وأحوالها التي من جملتها البعث وما يعقبه من الجزاء { قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ } للوحدانية جاحدة لها أو للآيات الدالة عليها { وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عن الاعتراف بها أو عن الآيات الدالة عليها ، والفاء للإيذان بأن إصرارهم على الإنكار واستمرارهم على الاستكبار وقع موقع النتيجة للدلائل الظاهرة والبراهين القطعية فهي للسببية كما في قولك : أحسنت إلى زيد فإنه أحسن إلي ، والمعنى أنه قد ثبت بما قرر من الدلائل والحجج اختصاص الإلهية به سبحانه فكان من نتيجة ذلك إصرارهم على الإنكار واستمرارهم على الاستكبار ، وبناء الحكم على الموصول للإشعار بعلية ما في حيز الصلة له ، فإن الكفر بالآخرة وبما فيها من البعث والجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب يؤدي إلى قصر النظر على العاجل وعدم الالتفات إلى الدلائل الموجب لإنكارها وإنكار موداها والاستكبار عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام والإيمان به ، وأما الإيمان بها وبما فيها فيدعو لا محالة إلى الالتفات إلى الدلائل والتأمل فيها رغبة ورهبة فيورث ذلك يقيناً بالوحدانية وخضوعاً لأمر الله تعالى قاله بعض المحققين .

ومن الناس من قال : المراد وهم مستكبرون عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه ، فيكون الإنكار إشارة إلى كفرهم بالله تعالى والاستكبار إشارة إلى كفرهم برسوله صلى الله عليه وسلم والأول أظهر ، وإسناد الإنكار إلى القلوب لأنها محله وهو أبلغ من إسناده إليهم ، ولعله إنما لم يسلك في إسناد الاستكبار مثل ذلك لأنه أثر ظاهر كما تشير إليه الآية بعد ؛ وقد قال بعض العلماء : كل ذنب يمكن التستر به وإخفاؤه إلا التكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ} (22)

وبعد أن أبطل - سبحانه - عبادة غيره بهذا الأسلوب المنطقى الحكيم ، صرح بأنه لا معبود بحق سواه ، فقال : { إلهكم إله وَاحِدٌ } .

أى إلهكم المستحق للعبادة والطاعة هو إله واحد لا شريك له ، لا فى ذاته ولا فى صفاته : فأخلصوا له العبادة ، ولا تجعلوا له شركاء .

ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت المشركين يصرون على كفرهم ويستحبون العمى على الهدى ، فقال - تعالى - : { فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } .

أى : فالكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وما فيها من ثواب وعقاب قلوبهم منكرة للحق ، جاحدة لنعم الله ، منصرفة عن وحدانية الله - تعالى - وعن الأدلة الدالة عليها ، وحالهم فوق ذلك أنهم مستكبرون مغرورون ، لا يستمعون إلى موعظة واعظ ، ولا إلى إرشاد مرشد . ومتى استولت على إنسان هاتان الصفتان - الجحود والاستكبار - ، حالفه البوار والخسران ، وآثر سبيل الغى على سبيل الرشد .

والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته { فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة . . } دون التصريح بذواتهم ، لاشتهارهم بتلك الصفات القبيحة ، وللإِيمان بأن عدم إيمانهم بالآخرة ، هو أساس خيبتهم ، وخسرانهم وجحودهم . . .

وعبر بالجملة الاسمية فى قوله { قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } للدلالة على تأصل صفتى الجحود والاستكبار فى قلوبهم ، وعلى أن الإِنكار للحق سمة من سماتهم التى لا يتحولون عنها مهما وضحت لهم الأدلة على بطلانها ، وعلى أن التعالى والغرور لا ينفك عنهم ، وأنهم ممن قال - سبحانه - فيهم :

{ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين }

أى : صاغرين أذلاء .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ} (22)

قوله تعالى : { إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ( 22 ) لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين ( 23 ) } بعد أن بين الله تبينا قاطعا أن تصور المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى ، لهو بالغ الضلالة والفساد والسفه ، شرع في التذكير بأن الإلهية إنما تكون لله وحده وليست لأحد سواه ؛ فهو الإله الخالق المعبود الذي تتجلى فيه كل صفات الإله القادر الحكيم . فقال سبحانه : ( إلهكم إله واحد ) .

قوله : ( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ) هذا وصف للضالين الخاسرين الذين يكذبون بيوم الدين ويجحدون حقيقة القيامة واليوم الموعود ؛ فهم صنف من البشر التائه الزائغ الذي لا يقبل الوعظ ولا يؤثر فيهم التذكير أو النصح لفرط غيّهم وتماديهم وكزازة طبائعهم ؛ إنهم أناس ضالون مضلون قد ارتابت قلوبهم ، وفسدت فطرتهم ؛ فكانوا أولي قلوب جاحدة ( منكرة ) أي تستنكر كل يقين مما هو ظاهر وجلي ومستبين بأن الله خالق كل شيء ، وله ملكوت كل شيء ؛ فيجب إفراده وحده بالإلهية والربوبية والحاكمية كيلا يكون من إله أو رب أو مشرع سواه .

قوله : ( وهم مستكبرون ) هذا وصف للجاحدين الظالمين الذين أبوا إلا العتو والتكذيب ، جريا وراء أهوائهم الزائغة الفاسدة ( وهم مستكبرون ) أي متكبرون عن الإقرار لله بالوحدانية وإفراده وحده بالإلهية والربوبية والحاكمية ؛ بل إنهم طوّعت لهم أنفسهم المعوجة التي تستمرئ الباطل أن يعبدوا مع الله آلهة أخرى ، أو يتخذوا من دونه أربابا شتى ليصطنعوا لهم من التشريع غير ما أنزله الله للعباد .