ولما أخبر سبحانه وتعالى عما خلق في الأرض من المنافع الدالة على تمام علمه وباهر قدرته ، على وجه دالّ على خصوص القدرة على البعث{[49345]} ، وكان من الفلاسفة تناسخيتهم وغيرهم من يقر لله بالوحدانية ولا يقر بقول أهل الإسلام : إن الروح جسم لطيف سار في الجسم سريان النار في الفحم ، بل يقول : إنها ليست بجسم ولا قوة في جسم ولا صورة لجسم وليست متصلة به اتصال انطباع ولا حلول فيه ، بل اتصال تدبير وتصرف ، وأنها إذا فارقت البدن اتصلت بالروحانيين من العالم العقلي الذي هو عالم المجردات وانخرطت في سلك الملائكة المقربين ، أو اتصلت ببعض الأجرام السماوية من كوكب أو غيره كاتصالها بالبدن الأول وانقطع تعلقها به فلم تعد إليه حتى ولا يوم البعث عند من يقول منهم بالحشر{[49346]} ، وصل بذلك قوله تعالى ، يرد عليهم ، معبراً بالضمير الذي يعبر به الهيكل المجتمع من البدن والنفس{[49347]} : { منها } أي الأرض لا من غيرها{[49348]} { خلقناكم } إذ أخرجناكم منها {[49349]}بالعظمة الباهرة{[49350]} في النشأة الأولى بخلق أبيكم آدم عليه السلام { وفيها } لا في غيرها كما أنتم كذلك تشاهدون{[49351]} { نعيدكم } بالموت كذلك أجساماً وأرواحاً{[49352]} ، فتصيرون تراباً كما كنتم ، وللروح مع ذلك وإن كانت في عليين تعلق ببدنها بوجه ما ، يدرك البدن به اللذة بالتذاذها والألم بتألهما ، وقد صح أن الميت يقعد في قبره ويجيب سؤال الملكين عليهما السلام{[49353]} ، لا{[49354]} يقدر أحد منكم أن يخلص من تلك العظمة المحيطة بجليل عظمته ولا بدقيق حكمته { ومنها } لا من غيرها{[49355]} { نخرجكم } يوم البعث{[49356]} بتلك العظمة بعينها{[49357]} { تارة أخرى* } كما بدأناكم أول مرة{[49358]} مثل ما فعلنا في النبات سواء ، فقد علم أن هذا فعل الواحد المختار ، لا فعل الطبائع ، فمرة جعلكم أحياء من شيء ليس له أصل في الحيوانية أصلاً ، وكرة{[49359]} ردكم إلى ما كنتم عليه قبل الحياة تراباً لا روح فيه ولا ما يشبهها ، فلا ريب أن فاعل ذلك قادر على أن يخرجكم منها أحياء كما ابتدأ ذلك ، بل الإعادة أهون في مجاري العادة .
قوله : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ذلك تقدير رباني عظيم كتبه الله على آدم وذريته من بعده ، وهو خلْقهم من تراب . والمراد هنا آدم أبو البشر ( وفيها نعيدكم ) أي إذا متم تدفنون في الأرض ، وهذه عودتهم إليهم ( ومنها نخرجكم ) أي نخرجكم من قبوركم التي في الأرض للبعث والحساب ( تارة أخرى ) مرة أخرى . يعني : أخرجناكم من الأرض ونخرجكم منها بعد الموت مرة ثانية .
وفي هذه الحقيقة المريعة ، من بالغ العظة ما يديم التذكر في نفس الإنسان . التذكر الذي لا ينقطع والذي يظل يخالج النفس والذهن ؛ ليظل الإنسان مشدود اليقظة والتنبه ، مستديم الحرص والازدجار ، وهو يذكر أنه صائر لا محالة إلى نهايته المحتومة المنتظرة في التراب حيث الرقدة الطويلة إلى يوم البعث .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.