نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (9)

{ والخامسة } من الشهادات { أن غضب الله } الذي له الأمر كله فلا كفوء له { عليها } وهو أبلغ من اللعن الذي هو الطرد ، لأنه قد يكون بسبب غير الغضب ، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يعضد الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق ، ولأنها مادة الفساد ، وهاتكة الحجاب ، وخالطة الأنساب { إن كان } أي كوناً راسخاً { من الصادقين* } أي فيما رماها به ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم

" أن هلال بن أمية رضي الله عنه قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " البينة وإلا حداً في ظهرك " ، قال يا رسول الله ! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة ؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : البينة وإلا حداً في ظهرك ، فقال هلال : والذي بعثك بالحق ! إني لصادق ، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد ، فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه { والذين يرمون أزواجهم } فقرأ حتى بلغ { إن كان من الصادقين } فانصرف النبي صلى الله صلى عليه وسلم فأرسل إليهما ، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ؟ " ثم قامت فشهدت ، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة ، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم . فمضت ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء " ، فجاءت به كذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " وقد روى البخاري أيضاً عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر ، وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب معاً أو متفرقة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (9)

{ والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } فقد خصه هو باللعن ، وخصها هي بالغضب ؛ لأن نكرها كان أشد ، بسبب ما تحمله في بطنها من طريق السفاح فتدخل على زوجها من ليس من مائه ثم ينسب إليه افتراء وبهتانا ، ويضطلع الزوج بالإنفاق عليه من غير حق ثم يرث أحدهما الآخر بالباطل . ويضاف إلى ذلك ما يستكن في طبيعة الأنثى من أنفة تمكنها من رفض الزنا ، والاستعلاء على إغواء الزناة وتحرشهم .

وبتمام اللعان تقع الفرقة بين المتلاعنين فلا يجتمعان البتة ولا يتوارثان ولا يحل له أن يراجعها أبدا . وهو قول المالكية . وقال به الليث وزفر والأوزاعي . وعند الحنفية : لا تقع الفرقة بينهما بعد فراغهما من اللعان إلا بتفريق الحاكم بينهما . وعند الشافعية : إذا أكمل الزوج شهاداته الأربع وتم التعانه ؛ فقد زال الفراش بينها وبينه ، سواء وقع منها الالتعان أو لم يقع . فإنما التعانها لدرء الحد عنها فقط .

على أن المتلاعنين لا يتناكحان أبدا . فإن أكذب الزوج نفسه ؛ فقد وجب في حقه الحد ولحق به الولد ولم ترجع إليه زوجته أبدا . وهو قول الجمهور .

وإذا قلنا بوقوع الفرقة بسبب اللعان وهو قول الجمهور ، فقد اختلفوا في صفة هذه الفرقة ؛ فقد قيل : إنها فسخ ، وهو قول المالكية والشافعية وذلك لتأييد التحريم باللعان ، فأشبه ذات المحرم . وقيل : إنها طلاق بائن . وهو قول الحنفية قياسا على فرقة العنين{[3229]} .


[3229]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 265 وما بعدها، وتفسير القرطبي جـ12 ص 192 وما بعدها، وبداية المجتهد جـ2 ص 103-105.