نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ} (109)

ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان ، اقتضى الحال السؤال عما أبرزوه من المقال في جوابه فقال : { قال الملأ } أي الأكابر { من قوم فرعون } ما تلقفوه من فرعون واحداً بعد واحد ، يلقيه أكبرهم إلى أصغرهم { إن هذا لساحر } أي فهذا الذي رأيتموه أيها الناس من تخييله ما لا حقيقة له ، فلا تبادروا إلى متابعته .

ولما كان ذلك{[32884]} خارجاً عما ألفوه من السحرة قالوا : { عليم* } أي {[32885]}بما هم{[32886]} فيه ، بالغ{[32887]} في علمه إلى حد عظيم ، فلذلك جاء ما رأيتم منه فوق العادة ، فكأن فرعون قال ذلك ابتداء - كما في سورة الشورى - فتلقفوه منه وبادروا إلى قوله ، يقوله بعضهم لبعض إعلاماً بأنهم على غاية الطواعية له خوفاً على رئاستهم تحقيقاً لقوله تعالى{ فاستخف قومه فأطاعوه }{[32888]} واختير هنا إسناده إليهم ، لأن السياق للاستدلال على فسق الأكثر ، وأما هناك فالسياق لأنه إن أراد سبحانه أنزل{[32889]} آية خضعوا لها كما خضع فرعون عند رؤية ما رأى من موسى عليه السلام حتى رضي لنفسه بأن يخاطب عبيده - على ما يزعم - بما{[32890]} يقتضي أن يكون لهم عليه أمر ، فلذا كان إسناد القول إليه أحسن ، لأن النصرة في مقارعة الرأس أظهر ، وخضوع عنقه أضخم وأكبر .


[32884]:- في ظ: هذا.
[32885]:- في ظ: بأمرهم.
[32886]:في ظ: بأمرهم.
[32887]:- في ظ: عليم.
[32888]:-سورة 43 آية 54.
[32889]:- في ظ: انزل.
[32890]:- في ظ: بان.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ} (109)

قوله : { قال الملأ من قوم فرعون } ينظرون إليه لا يكتمون في أنفسهم غير الدهش والذهول . لكن القول كانوا من غلاة العتو والاستكبار والجحود وفي مقدمتهم الطاغوت الظلوم فرعون الذي ملأ الأرض فسادا وظلما ، والذي غالى في الكفران البالغ والعدوان المقيت مغالاة لا ينزلق إلى مثلها أولو فطرة سليمة . أو من كان به مسكة من عقل . وسيأتي تفصيل ذلك من فرعون في موضعه إن شاء الله .

قوله : { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لسحر عليم } لما شاهد الملأ من قوم فرعون وهم الأشراف من قومه الكافرين ، هاتين المعجزتين العظيمتين وهما انقلاب العصا حية ، وصيرورة يده بيضاء تتلألأ من غير سقم عجبوا لذلك عجبا . لكنهم لفرط عتوهم واستكبارهم وفساد قلوبهم ما لبثوا أن انتكسوا خاسرين معاندين ، إذ قالوا : { عن هذا لسحر عليم } أي كثير العلم بالسحر وهو يسحر أعين الناس بخداعه إياهم . والسحر ، هو كل ما لطف مأخذه ودق ، أو هو كل أمر يخفي سببه ويتخيل على غير حقيقته ، ويجري مجرى التمويه والخادع . وسحره ؛ أي خداعه{[1490]} .


[1490]:القاموس المحيط جـ 2 ص 46 والمعجم الوسيط 1 ص 419.