ولما ساق هذا الطلب{[32867]} مساقاً دالاً على أنه شاك في أمره ، أخبر تعالى أنه فاجأه بإظهار الآية دالاًّ على ذلك بالفاء المسببة المعقبة من غير مهلة فقال عن{[32868]} فعل موسى عليه السلام : { فألقى عصاه } وعن فعله هو سبحانه { فإذا هي } أي العصا { ثعبان مبين* } أي ظاهر في كبره وسرعة حركته بحيث إنه لشدة ظهوره كأنه{[32869]} ينادي الناس فيظهر لهم أمره ، وهو موضح لصدق من تسبب{[32870]} عن فعله في جميع مقالته ؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ثعباناً أشعر فاغراً فاه ، بين لحييه ثمانون ذراعاً ، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فوثب من سريره هارباً وأحدث ، وحمل على الناس فانهزموا وصاحوا فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً ، قتل بعضهم بعضاً ، وصاح فرعون : يا موسى خذه{[32871]} وأنا أومن بك{[32872]} فأخذه{[32873]} فعاد عصاً .
قوله : { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } إذ ، للمفاجأة ، وهي بمنزلة ثمة وهناك ، وهي في محل رفع خبر . والمبتدأ ثعبان ؛ أي ألقى موسى عصاه على الأرض فانقلبت ثعبانا وهو الذكر من الحيات . وقوله { مبين } أي صارت حية بارزة ظاهرة مخوفة قد رآها من كان حولها عيانا من غير لبس في ذلك ولا شك . وهذه واحدة كبرى من جملة معجزات أوتيها موسى لتكون لفرعون آية عسى أن يدكر أو يهتدي أو يرشد .
وفيما يذكره كثيرون من علماء التفسير عن حال فرعون لما رأى العصا تنقلب ثعبانا ضخما ، لهو مثير للعجب ؛ فقد ذكروا أن هذا الطاغوت الكبير لما رأى الثعبان الهائل ، تملكه الذعر والهلع والارتباك وغشيته غاشية من الذعر والارتجاج ، فما لبث أن أحدث في ثيابه . لا جرم أن قصة كهذه تكشف لذوي العقول والنباهة من الناس أن هؤلاء الطواغيت الذين يسوسون الناس بالقهر والطغيان والجبروت ليسوا غير آحاد من الشخوص المزيفة الكاذبة الخاوية ، الشخوص المنتفخة انتفاخ المسلط المخادع المغرور ، الذي استحوذ على الناس بزيفه وخداعه وأكاذيبه حتى يتخيل الناس ووهموا أنه عظيم . وهو في ميزان الحقيقة والواقع ليس إلا صنما من البشر المموه الفارغ . البشر المتلصص الدجال الذي يصطنع لنفسه الشجاعة والبراعة وحسن السمت والمظهر والناس عنه في غفلة . ولو أردك الناس حقيقته عيانا لأيقنوا أنه جبان وأرعن وخسيس ومذعور وهم عنه غافلون ! .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.