الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ} (118)

تفسير الشافعي 204 هـ :

{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِئَايَاتِهِ مُؤمِنِينَ} أنه إنما يعني مما أحل الله أكله، لأنه لو ذبح ما حرم الله عليه وذكر اسم الله عليه، لم يُحِلَّ الذبيحَةَ ذِكْرُ اسم الله عليه...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين به وبآياته: فكلوا أيها المؤمنون مما ذكيتم من ذبائحكم وذبحتموه الذبح الذي بينت لكم أنه تحلّ به الذبيحة لكم، وذلك ما ذبحه المؤمنون بي من أهل دينكم دين الحقّ، أو ذبحه من دان بتوحيدي من أهل الكتاب، دون ما ذبحه أهل الأوثان ومن لا كتاب له من المجوس. {إنْ كُنْتُمْ بآياتِهِ مُؤْمِنِينَ} يقول: إن كنتم بحجج الله التي أتتكم وإعلامه بإحلال ما أحللت لكم وتحريم ما حرّمت عليكم من المطاعم والمآكل مصدّقين، ودعوا عنكم زخرف ما توحيه الشياطين بعضها إلى بعض من زخرف القول لكم وتلبيس دينكم عليكم غرورا...

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِر اسْمُ الله عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} ظاهره أمْرٌ ومعناه الإباحة، كقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] {فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10]، هذا إذا أراد بأكله التلذذ فهو إباحة. ويحتمل الترغيب في اعتقاد صحة الإذن فيه في أكله للاستعانة به على طاعة الله تعالى، فيكون آكِلُه في هذه الحال مأجوراً. ومن الناس من يقول: {إِنْ كُنْتُمْ بآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} يدل على حَظْرِ أكْلِ ما لم يذكر اسم الله عليه لاقتضائه مخالفة المشركين في أكل ما لم يذكر اسم الله عليه. وقوله: {مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ} عموم في سائر الأذكار...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

... قوله "مما ذكر اسم الله عليه "فالذكر المسنون هو قول: بسم الله...

وقيل كل اسم يختص الله تعالى به أو صفة مختصة كقوله: بسم الله الرحمن الرحيم... وما يجري مجرى ذلك. والأول مجمع على جوازه، والظاهر يقتضي جواز غيره، ولقوله "قل ادعو الله أو ادعو الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى"...

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{إن كنتم بآياته مؤمنين} تأكيد لاستحلال ما أباحه الشرع...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

القصد بهذه الآية النهي عما ذبح للنصب وغيرها وعن الميتة وأنواعها، فجاءت العبارة أمراً بما يضاد ما قصد النهي عنه، ولا قصد في الآية إلى ما نسي فيه المؤمن التسمية أو تعمدها بالترك... وقوله {إن كنتم بآياته مؤمنين} أي إن كنتم بأحكامه وأوامره آخذين، فإن الإيمان بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

بعد أن بين تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أكثر أهل الأرض يضلون من أطاعهم لأنهم ضالون خراصون وأنه أعلم بالضالين والمهتدين، رتب على ذلك أمر اتباع هذا الرسول بمخالفة الضالين من قومهم وغير قومهم في مسألة الذبائح وبترك جميع الآثام فقال {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} أي إذا كان أمر أكثر الناس على ما بينته لكم، فكلوا مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح دون غيره، وهو ما يصرح به بعد آيتين من السياق، إن كنتم بآياته التي جاءتكم بالهدى والعلم مؤمنين وبما يخالفها من ضلال الشرك والكفر وجهل أهله مكذبين، وحكمة الاهتمام بهذه المسألة وقرنها بمسائل العقائد هو أن مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل جعلوا الذبائح من أمور العبادات، بل نظموها في سلك أصول الدين والاعتقادات فصاروا يتعبدون بذبح الذبائح لآلهتهم ومن قدسوا من رجال دينهم، ويهلون لهم بها عند ذبحها كما يأتي وهذا شرك بالله لأنه عبادة توجه إلى غيره سواء أسمي ذلك الغير إلها أو معبودا أم لا؟

وقد غفل عن هذا بعض كبار المفسرين فلم يهتد إليه بذكائه وعلمه ولم يروه عن غيره، فاستشكل هو ومن تبعه المسألة... وقد بينا من قبل أن سبب غفلة أذكياء المفسرين عن أمثال هذه المسائل اقتصارهم في أخذ التفسير على الروايات المأثورة ومدلول الألفاظ في اللغة أو في عرف الفقهاء والأصوليين والمتكلمين الذي حدث بعد نزول القرآن بزمن طويل، ولا يغني شيء من ذلك عن الاستعانة على فهم الآيات الواردة في شؤون البشر بمعرفة الملل والنحل وتاريخ أهلها وما كانوا عليه في عصر التنزيل.

وقد كان من أثر تقصير المفسرين وعلماء الأحكام في أهم ما يتوقف عليه فهم المراد من أمثال هذه الآيات أن وقع كثير من المسلمين فيما كان عليه أولئك الضالون من مشركي العرب وغيرهم حتى الذبح لبعض الصالحين وتسييب السوائب لهم... ولما سرت هذه الضلالة إلى المسلمين ذكر الفقهاء حكمها ومتى تكون كفرا كما سيأتي. وجملة القول إن مسألة الذبائح من مسائل العبادات التي كان يتقرب بها إلى الله تعالى ثم صاروا في عهد الوثنية يتقربون بها إلى غيره وذلك شرك غير صريح وهذا هو الوجه لذكرها في هذه السورة بين مسائل الكفر والإيمان والشرك والتوحيد.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ} (118)

ولما قدم سبحانه ما مضى من السوائب وما معها وفي المائدة مما يدين به أهل الجاهلية في أكل الحيوان الذي جر{[30918]} إليه الشرك ، وأتبعه بيان أنه لا ضرر على أهل الإيمان من دين أهل الضلال إذا اهتدوا ، وأتبع ذلك ما لاءمه ، وانتظم في سلكه ولاحمه ، حتى ظهر أي ظهور أن الكل{[30919]} مِلكه ومُلكه ، وأنه لا شريك له ، فوجب شكره وحده ، وكانوا مع ذلك قد كفروا نعمه تتعالى فاتخذوا معه شركاء ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا لها مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ، فكانوا{[30920]} بذلك المانعين{[30921]} الحق عن أهله ، ومانحين ما خولهم فيه من له الملك لما لا يملك ضراً ولا نفعاً ، وتاركين بعض ما أنعم عليهم به صاحب الحق رعاية لمن لا حق له ولا حرمة ، وكانت سنة الله تعالى قد جرت بأنه يذكر نفسه الشريفة بالوحدانية . ويستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض وما أودع فيهما لنا من المنافع وما أبدع من المرافق والمصانع ، ثم يعجب ممن أشرك به ، ثم يأمر{[30922]} بالأكل مما خلق تذكيراً بالنعمة ، ليكون ذلك داعية لكل ذي لب إلى شكره ، كما قال{[30923]} تعالى في البقرة عقب { وإلهكم إله واحد }{ إن في خلق السماوات والأرض{[30924]} }[ البقرة : 164 ] ثم قال{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً{[30925]} }[ البقرة : 165 ] ثم قال{[30926]}{ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً{[30927]} }[ البقرة : 168 ] ؛ أجرى هذه السنة الجليلة في هذه السورة أيضاً ، فقال :{ إن الله فالق الحب والنوى }[ الأنعام : 95 ] بعد{ إني وجهت وجهي للذي فطر{[30928]} }[ الأنعام : 79 ] ثم{[30929]}{ وجعلوا لله شركاء الجن }[ الأنعام : 100 ] ودل على أنه لا شريك له في مِلكه ولا مُلكه ، وختم بأنه لا حكم{[30930]} سواه ينازعه في حكمه أو{[30931]} يباريه في شيء من أمره ، وبين{[30932]} أن من آيها{[30933]} الهداية التي جعلها شرطاً لعدم ضرر يلحق من دين أهل الشرك ؛ فسبب عن جميع ما ذكرت قوله : { فكلوا مما ذكر } أي وقت الذبح { اسم الله } أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة فله كل شيء { عليه } أي{[30934]} كأن قائلاً لذلك سواء ذكر بالفعل أولا ، وعدل عن التعبير بما جعلته المراد ليفهم أن الذكر بالفعل مندوب إليه ، ولا يكونوا ممن بنى دينه على اتباع الأهوية والظنون الكاذبة ، فكأنه قيل : اتبعوا من يعرف{[30935]} الحق لأهله فإنه مهتد غير معرجين على غيره فإنه ضال ، والله أعلم بالفريقين ، فكونوا من المهتدين ، فكلوا مما خلق الله لكم حلالاً شاكرين لنعمته ، وإنما أطال هنا دون البقرة ما بين الجمل الكلام تقريراً لمضامينها وما يستتبعه واحتجاجاً على جميع ذلك لأنها سورة التفصيل ، و{[30936]} أتى بالذكر{[30937]} والمراد قبول المأكول له ، أي كلوا مما يقبل أن يسمى عليه على مقتضى ما شرعه ، وذلك هو الذي أحله من الحيوان وغيره سواء كان مما جعلوه لأوثانهم أولا ، دون ما مات من الحيوان حتف أنفه ، أو ذكر عليه اسم غير الله أو كان مما حرم أكله وإن ذبح وذكر عليه اسم الله ، فإنه لا يقبل التحليل بالتسمية ، فالتسمية في غير موضعها ، لورود النصوص بالتحريم ، ولا تتبعوا المشركين في منعهم أنفسهم من خير مما خلق الله لهم من الحرث والأنعام بتسميتهم إياه لآلهتهم التي لا غناء عندها ، ويكون ذلك{[30938]} حثاً على التسمية على جميع المأكول الحلال ، فتكون الآية كآية البقرة بزيادة . {[30939]}

ولما كان هذا الأمر{[30940]} لا يقبله إلا من زال دين الشرك وجميع توابعه من قبله ؛ قال : { إن كنتم } أي بما لكم من الجِِبِلَّة الصالحة { بآياته } أي عامة التي منها آيات التحليل والتحريم { مؤمنين * } أي عريقين في وصف الإيمان ،


[30918]:في ظ: جرى.
[30919]:في ظ: لكل.
[30920]:في ظ: لذلك الممانعين.
[30921]:في ظ: لذلك الممانعين.
[30922]:في ظ: باهم- كذا.
[30923]:سقط من ظ.
[30924]:آية 164.
[30925]:آية 165.
[30926]:سقط من ظ.
[30927]:آية 168.
[30928]:زيد من ظ والقرآن الكريم.
[30929]:زيد في ظ بعده: بعد.
[30930]:من ظ، وفي الأصل: حكيم.
[30931]:في ظ "و".
[30932]:من ظ، وفي الأصل: يبين.
[30933]:زيد من ظ.
[30934]:في ظ: أن.
[30935]:في ظ: يصرف- كذا.
[30936]:من ظ، وفي الأصل: إنها يذكر.
[30937]:من ظ، وفي الأصل: إنها يذكر.
[30938]:زيد من ظ.
[30939]:زيد من ظ.
[30940]:من ظ، وفي الأصل: أمر.