الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ} (102)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم دل على نفسه بصنعه ليوحدوه، فقال: {ذلكم الله ربكم} الذي ابتدع خلقهما وخلق كل شيء ولم يكن له صاحبة ولا ولد. ثم وحد نفسه إذ لم يوحده كفار مكة، فقال: {لا إله إلا هو خلق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: الذي خلق كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم، هو الله ربكم أيها العادلون بالله الآلهة والأوثان، والجاعلون له الجنّ شركاء، وآلهتكم التي لا تملك نفعاً ولا ضرّا ولا تفعل خيراً ولا شرّا. "لا إله إلاّ هُوَ "وهذا تكذيب من الله جلّ ثناؤه للذين زعموا أن الجنّ شركاء الله، يقول جلّ ثناؤه لهم: أيها الجاهلون إنه لا شيء له الألوهية والعبادة إلاّ الذي خلق كلّ شيء، وهو بكل شيء عليم، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادة جميع من في السموات والأرض إلاّ له خالصة بغير شريك تشركونه فيها، فإنه خالق كلّ شيء وبارئه وصانعه، وحقّ على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة. "فاعْبُدُوهُ" يقول: فذلوا له بالطاعة والعبادة والخدمة، واخضعوا له بذلك. "وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ" يقول: والله على كلّ ما خلق من شيء رقيب وحفيظ يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ذلكم الله ربكم} أي ابتدع خلق السماوات والأرض وما ذكر من أنواع المنن والنعم التي أنعمها عليهم من نحو ما جعل لهم من النجوم ليهتدوا بها في الظلمات وما ذكر أنه أنشأهم من نفس واحدة وما ذكر من إنزال الماء من السماء وإخراج ما أخرج به من النبات والثمار والحبوب والأعناب وغير ذلك من عجيب حكمته؛ ذلك كله بالله الذي لا إله إلا هو منشئ ذلك كله {فاعبدوه} أي إليه وجهوا شكر نعمه، ولا توجهوه إلى غيره.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{ذلكم الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شيء} أي ذلكم الجامع لهذه الصفات {فاعبدوه} مسبب عن مضمون الجملة على معنى: أن من استجمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه. ثم قال: {وَهُوَ على كُلّ شيء وَكِيلٌ} يعني: وهو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأرزاق والآجال، رقيب على الأعمال.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ذلكم الله ربكم} الآية تتضمن تقريراً وحكماً إخلاصاً أمراً بالعبادة وإعلاماً بأنه حفيظ رقيب على كل فعل وقول وفي هذا الإعلام تخويف وتحذير.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على وجود الإله القادر المختار الحكيم الرحيم، وبين فساد قول من ذهب إلى الإشراك بالله، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه، وبين فساد كل واحد منها بالدلائل اللائقة به. ثم حكى مذهب من أثبت لله البنين والبنات، وبين بالدلائل القاطعة فساد القول بها، فعند هذا ثبت أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والضد والند، ومنزه عن الأولاد والبنين والبنات، فعند هذا صرح بالنتيجة فقال:"ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو" خالق كل ما سواه "فاعبدوه "ولا تعبدوا غيره أحدا فإنه هو المصلح لمهمات جميع العباد، وهو الذي يسمع دعاءهم ويرى ذلهم وخضوعهم، ويعلم حاجتهم، وهو الوكيل لكل أحد على حصول مهماته، ومن تأمل في هذا النظم والترتيب في تقرير الدعوة إلى التوحيد والتنزيه، وإظهار فساد الشرك، علم أنه لا طريق أوضح ولا أصلح منه.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه} الخطاب للمشركين المحجوجين أو لجميع المكلفين، والإشارة إلى المنزه عما يصفون، المتصف بما وصف به نفسه من الإبداع والانفراد بخلق جميع الأشياء، وإحاطة العلم بالجليات والخفيات، من المشهودات والغائبات، أي ذلكم الذي شأنه ما ذكر هو الله ربكم، لا من خرقوا له من الأولاد، وأشركوا به من الأنداد، "فاعبدوه "إذا ولا تشركوا به شيئا لا إله إلا هو خالق كل شيء، فإنما الإله المستحق للعبادة هو الرب الخالق وما عداه مخلوق يجب عليه أن يعبد خالقه، فكيف يعبده ويؤلهه من هو مثله في ذلك؟

{وهو على كل شيء وكيل} أي وهو مع كل ما ذكر موكول إليه كل شيء يتصرف فيه ويدبره بعلمه وحكمته، يقال فلان وكيل على عقار فلان وماله، وقيل إن الوكيل هنا بمعنى الرقيب، وفي سورة المؤمن: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} [غافر: 62] قدم فيه وصفه بالخلق عن كلمة التوحيد عكس ما هنا لأن ما هنا رد على المشركين فناسب فيه تقديم كلمة التوحيد، وآية سورة المؤمن جاءت بين آيات في الخلق ونعم الله فيه فناسب تقديم الوصف بالخلق فيها على التوحيد الذي هو نتيجة لذلك وغاية.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي: جميع الأشياء، تحت وكالة الله وتدبيره، خلقا، وتدبيرا، وتصريفا. ومن المعلوم، أن الأمر المتصرف فيه يكون استقامته وتمامه، وكمال انتظامه، بحسب حال الوكيل عليه. ووكالته تعالى على الأشياء، ليست من جنس وكالة الخلق، فإن وكالتهم، وكالة نيابة، والوكيل فيها تابع لموكله. وأما الباري، تبارك وتعالى، فوكالته من نفسه لنفسه، متضمنة لكمال العلم، وحسن التدبير والإحسان فيه، والعدل، فلا يمكن لأحد أن يستدرك على الله، ولا يرى في خلقه خللا ولا فطورا، ولا في تدبيره نقصا وعيبا. ومن وكالته: أنه تعالى، توكل ببيان دينه، وحفظه عن المزيلات والمغيرات، وأنه تولى حفظ المؤمنين وعصمتهم عما يزيل إيمانهم ودينهم.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ومادام هو خالق لكل شيء وهو الباقي فهو الأحق بالعبادة؛ لأن العبادة – كما قلنا – معناها طاعة الأمر وطاعة النهي – ما دام سبحانه الذي خلق فهو الذي يضع قانون الصيانة للإنسان والكون، وإن خالفت المنهج يفسد الكون والإنسان، وإذا فسد الكون أو الإنسان فأنت تلجأ إلى منهج الخالق لتعيد لكل منهما صلاحيته؛ لذلك هو الأولى بالعبادة. {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو}... {وهو على كل شيء وكيل} (من الآية 102 سورة الأنعام). وهذه دقة الأداء البياني في القرآن، فنحن في أعرافنا نقول: فلان وكيل لفلان أي: يقوم لصالحه بالأمور التي يريدها، سبحانه ليس وكيلا لك، بل هو وكيل عليك؛ لأن الوكيل لك ينفذ أوامرك، لكن هو وكيل عليك، مثل الوصي على القاصر وهو وكيل عليه، ويقول للقاصر: افعل كذا فيفعل، سبحانه وكيل علينا، ولذلك نحن نطلب منه وهو الذي يستجيب لدعائنا بالخير، فلان ينفذ رغباتنا الطائشة، ونجد الأحمق من يقول: لقد دعوت الله ولم يستجب لي، ونقول: إنك تفهم الاستجابة أنها تؤدي لك مطلوبك، وسبحانه أعلم بما يناسبك لأنه وكيل عليك ويعدل من تصرفاتك، وساعة تطلب حاجة، إن كان فيها خير يعطيها لك، وإن كنت تظن أنها خير، لكنها ستأتي بالشر لا يعطيها لك. وعلى من يدعو ألا يتعجل الإجابة. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي). {وهو على كل شيء وكيل} أي سواء أكان هذا الشيء مختارا أم غير مختار؛ لأن المختار قد يختار شرا، ولأن الله وكيل عليه يقول له: لا، وغير المكلف ولا اختيار له، مقهور لإرادة الله مثل النار، فهي مأمورة أن تحرق، لكنه أمرها ألا تحرق سيدنا إبراهيم وتبقيه سليما.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَكِيلٌ}: الوكيل على الشيء الحافظ الذي يحوطه ويدفع الضرر عنه، وإنما وصف سبحانه نفسه بأنه وكيل مع أنه مالك الأشياء لأنه لما كانت منافعها لغيره لاستحالة المنافع عليه والمضار صحت هذه الصفة له، وقيل: الوكيل من توكل إليه الأمور، يقال: وكّلت إليه هذا الأمر أي ولّيته تدبيره، والمؤمن يتوكل على الله أي يفوّض أمره إليه.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لاحظ أنّ العبارة تقول: (على كل شيء وكيل) ولم تقل: لكلّ شيء وكيل، واختلاف المعنى واضح، لأنّ «على» تفيد التسلط ونفوذ الأمر، أمّا «اللام» فتفيد التبعية، أي أن التعبير الأوّل يدل على الولاية والرعاية، والثّاني يدل على التمثيل والوكالة.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ} (102)

ولما ثبت أنه لا كفوء له بما ذكر من صفاته وأفعاله ، وبين فساد أقوال المشركين ، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه ، وبين فساد كل واحد منها بأمتن الحجج ، فثبت بذلك ما افتتح السورة به من إحاطته بصفات الكمال ، قال مشيراً إلى ذلك كله بمبتدأ خبر{[30705]} بعده{[30706]} أخبار : { ذلكم } أي العالي الأوصاف جداً الذي لا حاجة له إلى شيء ، وكل شيء محتاج إليه { الله } أي الذي له كل كمال { ربكم } أي الموجد لكم والمحسن بجميع أنواع الإحسان ، فهي فذلكة ما قبلها وثمرته ، لأن من اتصف بذلك كان هو رب الكل وحده والخالق للجميع واستحق العبادة وحده{[30707]} فلذا أتبع ذلك قوله : { لا إله إلا هو } لأن المقام للتوحيد اللازم للإحاطة بأوصاف الكمال التي هي معنى الحمد المفتتح به السورة ، وساق قوله : { خالق كل شيء } الذي هو مطلع ما بعده مساق التعليل دليلاً على ذلك ، فلما أقام الدليل سبب عنه الأمر بالعبادة{[30708]} فقال : { فاعبدوه } أي وحده ، لأن من أشرك به لم يعبده ، لأنه الغنى المطلق ، {[30709]} ومن كان له الغنى المطلق{[30710]} لا يحسن أن يقبل مشركاً{[30711]} ، وختم الآية بقوله : { وهو } ولما كان المقام لنفي احتياجه إلى شيء ، قدم قوله : { على{[30712]} كل شيء وكيل{[30713]}* } إشارة إلى أن الولد أو الشريك إنما يحتاجه العاجز المفتقر ، وأما هو فهو القادر ، ومن سواه عاجز ، وهو الغني ومن سواه فقير ، فكيف يحتاج{[30714]} القدير الغني{[30715]} إلى العاجز الفقير ، هذا ما لا يكون ، ولا ينبغي أن يتخيله الظنون ، وفيه إشارة إلى أن{[30716]} العابد ينبغي أن يتفرغ لعبادته ويقطع أموره عن غير{[30717]} وكالته ، فإنه يكفيه بفضله عمن سواه .


[30705]:من ظ، وفي الأصل: أخبر، وزيد فيه بعده: عنه، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[30706]:من ظ، وفي الأصل: بعد.
[30707]:زيد من ظ.
[30708]:في ظ: لعبادة.
[30709]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30710]:سقطة ما بين الرقمين من ظ.
[30711]:في ظ: مشتركا.
[30712]:تقدم في الأصل على "ولما كان" والترتيب من ظ.
[30713]:زيد بعده في الأصل: الذي هو مطلع ما بعده مساق التعليل دليلا، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[30714]:زيد بعده في الأصل: الفقراء، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[30715]:زيد من ظ.
[30716]:سقط من ظ.
[30717]:من ظ، وفي الأصل: غيره.