جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ يا محمد لهؤلاء الذين يبغون عَنَتَك ويجادلونك بالباطل، ويحاورونك بالمسائل من أهل الكتابين: اليهود والنصارى "هَلْ نُنَبّئُكُمْ أيها القوم بالأَخْسَرِينَ أعمالاً "يعني بالذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبغون به ربحا وفضلاً، فنالوا به عَطَبا وهلاكا ولم يدركوا طلبا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلاً وربحا، فخاب رجاؤه، وخسر بيعه، ووكس في الذي رجا فضله. واختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بذلك:
فقال بعضهم: عُنِي به الرهبانْ والقسوس...
وقال آخرون: بل هم جميع أهل الكتابين...
والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال: إن الله عزّ وجلّ عنى بقوله: "هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً" كلّ عامل عملاً يحسبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مرض، وهو بفعله ذلك لله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة، من أهل أيّ دين كانوا...
"الّذيِنَ ضَلّ سَعْيُهُمْ في الحَياةِ الدّنْيا" يقول: هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به،
"وهُمْ يحسَبُونَ أنّهُمْ يُحسِنُونَ صُنْعا" يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون، وهذا من أدلّ الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالاً، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم. ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه، كانوا مثابين مأجورين عليها، ولكن القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة، وأن أعمالهم حابطة...
ويعني بقوله:"أنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا" عملاً...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} يشبه أن يكون هذا خرج على مقابلة قول كان من رؤساء الكفرة وجواب لهم، وهو أن الرؤساء منهم كانوا يوسعون الدنيا على بعض أتباعهم، ويحسنون إليهم. ثم صار أولئك الأتباع أتباعا لرسول الله، ودخلوا في دينه، فضاقت عليهم الدنيا، وذهبت المنافع التي كانت لهم منهم، فعيرهم بذلك أولئك الكفرة، ووبخوهم، على ما اختاروا من الدين أنه لو كان حقا لاتسعت عليهم الدنيا كما اتسعت علينا وعليهم ما داموا على ديننا أو كلام نحو هذا فأجابهم الله بذلك، فقال: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} الآية. ويحتمل أن يكون على الابتداء في أهل الصوامع منهم والرهبان الذين اعتزلوا النساء، وحبسوا أنفسهم لعبادة الأصنام والأوثان، وجهدوا هم فيها، وحملوا على أنفسهم الشدائد والمشقة. فأخبر الله عز و جل أن هؤلاء أخسر أعمالا وأضل سعيا من الذين طلبوا الدنيا والرئاسة فيها، ولم يفعلوا ما فعل هؤلاء، وإن كانوا في الكفر سواء. والأخسر هو الوصف بالخسران على النهاية والغاية...
أحكام القرآن لإلكيا الهراسي 504 هـ :
فيه دليل على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن فيه، وقد حبط سعيه، الذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة. والمراد به ها هنا الكفر، فإن الله تعالى قال بعد ذكر هؤلاء: {أُولئِكَ الّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم ولِقَائِهِ}، أبان عن كفرهم وأنه سبب ضياع أعمالهم...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
وينبغي حمل هذه الأقوال على التمثيل لا على الحصر إذ الأخسرون أعمالاً هم كل من دان بدين غير الإسلام، أو راءى بعمله، أو أقام على بدعة تؤول به إلى الكفر والأخسر من أتعب نفسه فأدى تعبه به إلى النار...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما تبين بذلك الذي لا مرية فيه أنهم خسروا خسارة لا ربح معها، وخاب ما كانوا يؤملون، أمره أن ينبههم على ذلك فقال: {قل هل ننبئكم} أي نخبركم أنا وكل عبد لله ليست عينه في غطاء عن الذكر، ولا في سمعه عجز عن الوعي، إخباراً عظيماً أيها التاركون من لا خالق ولا رازق لهم سواه، والمقبلون على من ليس بيده شيء من خلق ولا رزق ولا غيره {بالأخسرين} ولما كانت أعمالهم مختلفة، فمنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهم من يعبد بعض الأنبياء، ومنهم من يعبد الأوثان، ومنهم من يكفر بغير ذلك، جمع المميز فقال: {أعمالاً}...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
اعتراضٌ باستئنافٍ ابتدائيٍّ أثارَه مضمونُ جملةِ {أفَحَسِبَ الَّذِين كَفَروا} الخ... فإنهم لَمّا اتَّخذوا أولياءَ مَن ليسوا يَنفعونهم فاختاروا الأصنامَ وعَبدوها وتَقرَّبوا إليها بما أَمْكَنَهم من القُرب اغتراراً بأنها تَدْفَع عنهم وهي لا تُغْني عنهم شيئاً فكان عَمَلُهم خاسراً وسَعْيُهم باطلاً. فالمقصود من هذه الجملة هو قوله {وهم يَحْسِبون...} الخ. وافتتاحُ الجملةِ بالأمر بالقول للاهتمام بالمَقُول بإصغاء السامعين لأنّ مِثْلَ هذا الافتتاحِ يُشْعِر بأنه في غرضٍ مُهمٍّ، وكذلك افتتاحُه باستفهامهم عن إنبائهم استفهاماً مستعمَلاً في العَرْض لأنّه بمعنَى: أتُحِبّون أن نُنَبِّئكم بالأَخْسَرِينَ أعمالاً، وهو عَرْضُ تَهَكُّمٍ لأنه مُنَبِّئُهم بذلك دونَ تَوَقُّفٍ على رِضاهم...
وفي قوله {بالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} إلى آخره... تمليحٌ إذ عُدِلَ فيه عن طريقة الخِطاب بأنْ يُقال لهم: هل نُنَبِّئُكم بأنّكم الأَخْسَرونَ أَعْمالاً، إلى طريقة الغَيْبَة بحيث يَستشرِفون إلى معرفة هؤلاء الأَخْسَرين فما يَرُوعُهم إلاّ أنْ يَعْلَموا أنّ المُخْبَر عنهم هم أنفُسُهم...
والمَقُولُ لهم: المشركون،... تنبيهاً على ما غَفَلُوا عنه من خَيْبة سَعْيِهم...
ونونُ المتكلِّم المشارِك في قوله {نُنَبِّئُكم} يجوز أن تكون نونَ العَظمةِ راجعةً إلى ذات الله على طريقة الاِلتفاتِ في الحكاية. ومُقتضى الظاهرِ أن يقال: هل يُنَبِّئُكم اللهُ، أي سيُنَبِّئُكم ويجوز أن تكون للمتكلِّم المشارِك راجعةً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى الله تعالى لأنه يُنبِّئُهم بما يوحَى إليه مِن ربِّه...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
الضياع الفكري والرّوحي: وتستمر الآيات القرآنية للتأكيد على العلاقة بالله في الإيمان به وفي العمل بطاعته، كقاعدة للنجاح والفلاح والحصول على النتائج الكبيرة الحاسمة في الدنيا والآخرة، فهو الأساس في ذلك كله، ولكن الناس قد يغفلون عنه، وقد يبتعدون بأفكارهم عن الخط الواضح في هذا الاتجاه، فيستسلمون لبعض الأفكار المضلّلة التي قد يرون فيها النجاة من كل خطرٍ، ثم تفاجئهم الحقيقة في نهاية الطريق بالخطأ الكبير الذي وقعوا فيه، فإذا بهم على شفير الهاوية التي تنتظرهم لتذهب بهم إلى الهلاك الأبدي، حيث الحسرة الكبرى والمصير الأسود.
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً} الذين خسروا بدرجةٍ عاليةٍ، لأنهم أضافوا إلى الخسارة الواقعية على صعيد النتائج العملية السلبية، خسارة الحلم الكبير الذي استسلموا له، وعاشوا معه ومع الصورة الحلوة الساحرة زمناً طويلاً، في ما كان يخيّل إليهم من تحركهم في خط المستقبل الواسع الذي تنتظرهم فيه الأحلام السعيدة، فإذا به يتحول إلى ما يشبه الكابوس الجاثم على صدورهم.
قوله تعالى : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا } إلى قوله : { وزنا } فيه مسألتان :
الأولى- قوله تعالى : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا } –الآية- فيه دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد حبط سعيه ، والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة ، والمراد هنا الكفر . روى البخاري عن مصعب قال : سألت أبي " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا " أهم الحرورية ؟ قال : لا ، هم اليهود والنصارى . وأما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأما النصارى فكفروا بالجنة ، فقالوا : لا طعام فيها ولا شراب ، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، وكان سعد يسميهم الفاسقين . والآية معناها التوبيخ ، أي قل لهؤلاء الكفرة الذين عبدوا غيري : يخيب سعيهم وآمالهم غدا ، فهم الأخسرون أعمالا ، وهم " الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " في عبادة من سواي . قال ابن عباس : ( يريد كفار أهل مكة ) . وقال علي :( هم الخوارج أهل حروراء . وقال مرة : هم الرهبان أصحاب الصوامع ) . وروي أن ابن الكواء سأله عن الأخسرين أعمالا فقال له : أنت وأصحابك . قال ابن عطية : ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك : " أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم " وليس من هذه الطوائف من يكفر بالله ولقائه والبعث والنشور ، وإنما هذه صفة مشركي مكة{[10750]} عبدة الأوثان ، وعلي وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقواما أخذوا بحظهم من هذه{[10751]} الآية . و " أعمالا " نصب على التمييز . و " حبطت " قراءة الجمهور بكسر الباء . وقرأ ابن عباس " حبطت " بفتحها{[10752]} .
الثانية-قوله تعالى : " فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " قراءة الجمهور " نقيم " بنون والعظمة . وقرأ مجاهد بياء الغائب ، يريد فلا يقيم الله عز وجل ، وقرأ عبيد بن عمير " فلا يقوم " ويلزمه أن يقرأ " وزن " وكذلك قرأ مجاهد " فلا يقوم لهم يوم القيامة وزن " . قال عبيد بن عمير : يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة .
قلت : هذا لا يقال مثله من جهة الرأي ، وقد ثبت معناه مرفوعا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرؤوا إن شئتم ( فلا نقيم له يوم القيامة وزنا ) . والمعنى أنهم لا ثواب لهم ، وأعمالهم مقابلة بالعذاب ، فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار . وقال أبو سعيد الخدري : يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن شيئا . وقيل : يحتمل أن يريد المجاز والاستعارة ، كأنه قال : فلا قدر لهم عندنا يومئذ{[10753]} ، والله أعلم . وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه ، لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم ، بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية المبتغى به الترفه والسمن . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين ) ومن حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم - قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إن من بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن ) وهذا ذم . وسبب ذلك أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشره ، والدعة والراحة والأمن والاسترسال مع النفس على شهواتها ، فهو عبد نفسه لا عبد ربه ، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام ، وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به ، وقد ذم الله تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال : " والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم " {[10754]} [ محمد : 12 ] فإذا كان المؤمن يتشبه بهم ، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله وأزمانه ، فأين حقيقة الإيمان ، والقيام بوظائف الإسلام ؟ ! ومن كثر أكله وشربه كثر نهمه وحرصه ، وزاد بالليل كسله ونومه ، فكان نهاره هائما ، وليله نائما . وقد مضى في " الأعراف " {[10755]} هذا المعنى ، وتقدم فيها ذكر الميزان{[10756]} ، وأن له كفتين توزن فيهما صحائف الأعمال فلا معنى للإعادة . وقال عليه الصلاة والسلام حين ضحكوا من حمش{[10757]} ساق ابن مسعود وهو يصعد النخلة : ( تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض ) فدل هذا على أن الأشخاص توزن ، ذكره الغزنوي .