الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي} (93)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عذل موسى عليه أخاه من تركه اتباعه؛ فقال بعضهم: عذله على تركه السير بمن أطاعه في أثره على ما كان عهد إليه... وقال آخرون: بل عذله على تركه أن يصلح ما كان من فساد القوم.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

وقوله "أفعصيت أمري "صورته صورة الاستفهام، والمراد به التقرير، لأن موسى كان يعلم أن هارون لا يعصيه في أمره.

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

فإن قال قائل: هل تقولون إن هارون خالف موسى فيما طلب منه، وأنه داهن عبدة العجل، ولم يشدد في منعهم عنها؟ والجواب: أن موسى لم يطلب من هارون إلا أن يخلفه في قومه، وأن يرفق بهم، فرأى هارون أن لا يقاتلهم، وأن الإمساك عن قتالهم أصلح، ورأى موسى أن يقاتلهم، ورأى أن القتال أصلح، فهذا رأي مجتهد خالف رأي مجتهد، ولا عيب فيه، وإنما عاتبه موسى في تركه القتال، يعني: لو كنت أنا مكانك كنت أقاتلهم، فهلا فعلت مثل ذلك.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... المعنى ما منعك أن تتبعني في الغضب لله وشدة الزجر عن الكفر والمعاصي؟ وهلا قاتلت من كفر بمن آمن؟ ومالك لم تباشر الأمر كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهداً؟ أو مالك لم تلحقني.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... التقدير: ما منَعك أن تتبعني واضطرّك إلى أنْ لا تتبعني... والمقصود: تأكيدُ وتشديدُ التوبيخ بإنكار أن يكون لهارونَ مانع حينئذ من اللحاق بموسى ومقتض لعدم اللحاق بموسى، كما يقال: وُجد السبب وانتفَى المانع.

ونظيره قوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} في سورة الأعراف (12).

والاستفهام في قوله {أفَعَصَيْتَ أمري} مفرع على الإنكار، فهو إنكار ثان على مخالفة أمره، مشوب بتقرير للتهديد.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

لقد طلبت منك أن تصلح أمرهم، وكنت تعرف ما هو الأسلوب الأفضل في عملية الإصلاح من خلال التجربة المشتركة التي خضناها معهم في حركة الرسالة، فما الشيء الذي منعك أو دعاك لأن لا تتبعني في طريقتي أو في أسلوبي؟ أفعصيت أمري الذي طلبت منك فيه أن تخلفني في قومي، فتكون مكاني حتى كأني موجود بينهم؟

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي} (93)

قوله تعالى : " ولقد قال لهم هارون من قبل " أي من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم " يا قوم إنما فتنتم به " أي ابتليتم وأضللتم به ، أي بالعجل . " وإن ربكم الرحمن " لا العجل . " فاتبعوني " في عبادته . " وأطيعوا أمري " لا أمر السامري . أو فاتبعوني في مسيري إلى موسى ودعوا العجل .

فعصوه و " قالوا لن نبرح عليه عاكفين " أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل . " حتى يرجع إلينا موسى " فينظر هل يعبده كما عبدناه ، فتوهموا أن موسى يعبد العجل ، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا من الذين{[11155]} لم يعبدوا العجل ، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل قال لسبعين معه هذا صوت الفتنة ، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضبا و " قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا " أي أخطؤوا الطريق وكفروا . " ألا تتبعن " " لا " زائدة أي أن تتبع أمري ووصيتي . وقيل : ما منعك عن اتباعي في الإنكار عليهم . وقيل : معناه هلا قاتلتهم إذ قد علمت أني لو كنت بينهم لقاتلتهم على كفرهم . وقيل : ما منعك من اللحوق بي لما فتنوا . " أفعصيت أمري " يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله تعالى عصيان منك لي ، قاله ابن عباس . وقيل : معناه هلا فارقتهم فتكون مفارقتك إياهم تقريعا لهم وزجرا . ومعنى : " أفعصيت أمري " قيل : إن أمره ما حكاه الله تعالى عنه " وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح ولا متبع سبيل المفسدين " {[11156]} [ الأعراف 142 ] ، فلما أقام معهم ولم يبالغ في منعهم والإنكار عليهم نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره .

مسألة : وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتغييره ومفارقة أهله ، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا كان راضيا حكمه كحكمهم . وقد تقدم . وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله : ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية ؟ وأُعْلِم - حرس الله مدته - أنه اجتمع جماعة من رجال ، فيكثرون من ذكر الله تعالى ، وذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم ، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه ، ويحضرون شيئا يأكلونه . هل الحضور معهم جائز أم لا ؟ أفتونا مأجورين ، وهذا القول الذي يذكرونه :

يا شيخُ كفَّ عن الذنوبْ *** قبل التفرق والزَّلَلْ

واعمل لنفسك صالحا *** ما دام ينفعك العملْ

أما الشبابُ فقد مضى *** ومشيبُ رأسك قد نزلْ

وفي مثل هذا نحوه{[11157]} . الجواب - يرحمك الله - مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة ، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري ، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون ، فهو دين الكفار وعباد العجل ، وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى ، وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار ، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم عن الحضور في المساجد وغيرها ، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ، ولا يعينهم على باطلهم ، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق .

قوله تعالى : " ولقد قال لهم هارون من قبل " أي من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم " يا قوم إنما فتنتم به " أي ابتليتم وأضللتم به ، أي بالعجل . " وإن ربكم الرحمن " لا العجل . " فاتبعوني " في عبادته . " وأطيعوا أمري " لا أمر السامري . أو فاتبعوني في مسيري إلى موسى ودعوا العجل .

فعصوه و " قالوا لن نبرح عليه عاكفين " أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل . " حتى يرجع إلينا موسى " فينظر هل يعبده كما عبدناه ، فتوهموا أن موسى يعبد العجل ، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا من الذين{[1]} لم يعبدوا العجل ، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل قال لسبعين معه هذا صوت الفتنة ، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضبا و " قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا " أي أخطؤوا الطريق وكفروا . " ألا تتبعن " " لا " زائدة أي أن تتبع أمري ووصيتي . وقيل : ما منعك عن اتباعي في الإنكار عليهم . وقيل : معناه هلا قاتلتهم إذ قد علمت أني لو كنت بينهم لقاتلتهم على كفرهم . وقيل : ما منعك من اللحوق بي لما فتنوا . " أفعصيت أمري " يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله تعالى عصيان منك لي ، قاله ابن عباس . وقيل : معناه هلا فارقتهم فتكون مفارقتك إياهم تقريعا لهم وزجرا . ومعنى : " أفعصيت أمري " قيل : إن أمره ما حكاه الله تعالى عنه " وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح ولا متبع سبيل المفسدين " {[2]} [ الأعراف 142 ] ، فلما أقام معهم ولم يبالغ في منعهم والإنكار عليهم نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره .

مسألة : وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتغييره ومفارقة أهله ، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا كان راضيا حكمه كحكمهم . وقد تقدم . وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله : ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية ؟ وأُعْلِم - حرس الله مدته - أنه اجتمع جماعة من رجال ، فيكثرون من ذكر الله تعالى ، وذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم ، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه ، ويحضرون شيئا يأكلونه . هل الحضور معهم جائز أم لا ؟ أفتونا مأجورين ، وهذا القول الذي يذكرونه :

يا شيخُ كفَّ عن الذنوبْ *** قبل التفرق والزَّلَلْ

واعمل لنفسك صالحا *** ما دام ينفعك العملْ

أما الشبابُ فقد مضى *** ومشيبُ رأسك قد نزلْ

وفي مثل هذا نحوه{[3]} . الجواب - يرحمك الله - مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة ، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري ، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون ، فهو دين الكفار وعباد العجل ، وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى ، وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار ، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم عن الحضور في المساجد وغيرها ، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ، ولا يعينهم على باطلهم ، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق .


[11155]:كذا في ب وجـ وط وي. والذي في أ: من الذين.
[11156]:راجع جـ 7 ص 77.
[11157]:في ب و جـ و ط وك: وجوه.

[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[2]:في بعض النسخ: "أبي قاسم"
[3]:في بعض النسخ: "المسيي".