الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا} (97)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال فاذهب فإن لك في الحياة} إلى أن تموت {أن تقول لا مساس} يعنى لا تخالط الناس {وإن لك} في الآخرة {موعدا} يعني: يوم القيامة {لن تخلفه} يقول: لن تغيب عنه {وانظر إلى إلهك} يعنى العجل {الذي ظلت عليه عاكفا} يقول: أقمت عليه عابدا له {لنحرقنه} بالنار {ثم لننسفنه في اليم نسفا}، يقول: لننبذنه في اليم نبذا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: قال موسى للسامريّ: فاذهب فإن لك في أيام حياتك أن تقول:"لا مساس": أي لا أَمسّ، ولا أُمسّ.. وذُكر أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يؤاكلوه، ولا يخالطوه، ولا يبايعوه، فلذلك قال له: إن لك في الحياة أن تقول لا مساس...

وقوله: "وَإنّ لَكَ مَوْعِدا لَنْ تُخْلَفَهُ "اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والكوفة "لَنْ تُخْلَفَهُ "بضم التاء وفتح اللام بمعنى: وإن لك موعدا لعذابك وعقوبتك على ما فعلت من إضلالك قومي حتى عبدوا العجل من دون الله، لن يخلفكه الله، ولكن يذيقكه. وقرأ ذلك الحسن وقَتادة وأبو نهيك: «وَإنّ لَكَ مَوْعِدا لَنْ تُخْلِفَهُ» بضمّ التاء وكسر اللام، بمعنى: وإن لك موعدا لن تخلفه أنت يا سامريّ، وتأوّلوه بمعنى: لن تغيب عنه...

والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، لأنه لا شكّ أن الله موف وعده لخلقه بحشرهم لموقف الحساب، وأن الخلق موافون ذلك اليوم، فلا الله مخلفهم ذلك، ولا هم مخلفوه بالتخلف عنه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.

وقوله: "وَانْظُرْ إلى إلهِكَ الّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفا" يقول: وانظر إلى معبودك الذي ظلت عليه مقيما تعبده...

وقوله: "لَنُحَرَقَنّهُ"... بمعنى لنحرقنه بالنار قطعة قطعة... وقوله:"ثُمّ لَنَنْسِفَنّهُ فِي اليَمّ نَسْفا "يقول: ثم لنذرّينه في البحر تذرية يقال منه: نسف فلان الطعام بالمنسف: إذا ذراه فطير عنه قشوره وترابه باليد أو الريح...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش، وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعاً كلياً، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضاً، وإذا اتفق أن يماس أحداً رجلاً أو امرأة، حم الماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح: لا مساس، وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحشي النافر في البرية.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

ثم إن موسى عليه السلام لما سمع ذلك من السامري أجابه بأن بين حاله في الدنيا والآخرة وبين حال إلهه؛ أما حاله في الدنيا فقوله: {فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس} وفيه وجوه:

أحدها: أن المراد: أني لا أمس ولا أمس قالوا: وإذا مسه أحد حم الماس والمسوس فكان إذا أراد أحد أن يمسه صاح خوفا من الحمى وقال: لا مساس.

وثانيها: أن المراد بقوله: {لا مساس} المنع من أن يخالط أحدا أو يخالطه أحد... والمعنى إني أجعلك يا سامري في المطرودية بحيث لو أردت أن تخبر غيرك عن حالك لم تقل إلا أنه لا مساس وهذا الوجه أحسن وأقرب إلى نظم الكلام من الأول...

وأما شرح حاله في الآخرة فهو قوله: {وإن لك موعدا لن تخلفه} والموعد بمعنى الوعد أي هذه عقوبتك في الدنيا ثم لك الوعد بالمصير إلى عذاب الآخرة فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان فعله هذا مفرقاً لبني إسرائيل عن طريق الحق التي كانوا عليها، وجامعاً لهم على تمثال حيوان هو من أخس الحيوانات، وعلى نفسه بكونه صار متبوعاً في ذلك الضلال، لكونه كان سببه، عوقب بالنفرة من الإنسان الذي هو أشرف الحيوان، ليكون ذلك سبباً لضد ما تسبب عن فعله، فيعاقب بالدنيا بعقوبة لا شيء أشد منها وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعاً كلياً فلا يتصل بأحد ولا يتصل به أحد، بل يكون وحيداً طريداً ما دام حياً، فلذلك استؤنف الإخبار عن هذا بقوله تعالى: {قال} أي له موسى عليه السلام: {فاذهب} أي تسبب عن فعلك أني أقول لك: اذهب من بيننا، أو حيث ذهبت {فإن لك في الحياة} أي ما دمت حياً {أن تقول} لكل من رأيته: {لا مساس} أي لا تمسني ولا أمسك، فلا تقدر أن تنفك عن ذلك لإرادة الإله الحق ذلك بك وترغيبك فيه -بما أفادته اللام، لتعلم أنت ومن تبعك أنكم كنتم على أعظم ضلال في ترك القادر على كل شيء، واتباع ما لا قدرة له على شيء {وإن لك} بعد الممات {موعداً} للثواب إن تبت، وللعقاب إن أبيت {لن تخلفه} مبنياً للفاعل وللمفعول، أي لا يكون خلفك ولا تكون أنت خلفه، بل يكون كل منكما مواجهاً لصاحبه، لا انفكاك له عنه، كما أنك في الحياة لا تقدر أن تنفك عن النفرة من الناس، فاختر لنفسك ما يحلو.

ولما ذكر ما للإله الحق من القدرة التامة في الدارين، أتبعه عجز العجل فقال: {وانظر إلى إلهك} أي بزعمك {الذي ظلت} أي دمت في مدة يسيرة جداً بما أشار إليه تخفيف التضعيف {عليه عاكفاً} أي مقبلاً مقارباً مواظباً جهاراً {لنحرقنه} أي بالنار وبالمبرد- كما سلف عن نص التوراة، وكان معنى ذلك أنه أحماه حتى لان فهان على المبارد {ثم لننسفنه} أي لنذرينه إذا صار سحالة {في اليم} أي البحر الذي أغرق الله فيه آل فرعون] وهو أهل لأن يقصد [فيجمع الله سحالته التي هي من حليهم وأموالهم فيحميها في نار جهنم ويكويهم ويجعلها من أشد العذاب عليهم، وأكد الفعل إظهاراً لعظمة الله الذي أمره بذلك، وتحقيقاً للصدق في الوعد فقال: {نسفاً}.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وعلى أية حال فقد أعلنه موسى -عليه السلام- بالطرد من جماعة بني إسرائيل. مدة حياته. ووكل أمره بعد ذلك إلى الله. وواجهه بعنف في أمر إلهه الذي صنعه بيده. ليرى قومه بالدليل المادي أنه ليس إلها فهو لا يحمي صانعه، ولا يدفع عن نفسه: (قال: فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول: لا مساس. وإن لك موعدا لن تخلفه. وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا).. اذهب مطرودا لا يمسك أحد لا بسوء ولا بخير ولا تمس أحدا -وكانت هذه إحدى العقوبات في ديانة موسى. عقوبة العزل، وإعلان الدنس المدنس فلا يقربه أحد ولا يقرب أحدا- أما الموعد الآخر فهو موعد العقوبة والجزاء عند الله.. وفي حنق وعنف أمر أن يهوى على عجل الذهب، فيحرق وينسف ويلقى في الماء. والعنف إحدى سمات موسى -عليه السلام- وهو هنا غضبة لله ولدين الله، حيث يستحب العنف وتحسن الشدة.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

لم يزد موسى في عقاب السامريّ على أن خلعه من الأمّة، إما لأنّه لم يكن من أنفسهم فلم يكن بالذي تجري عليه أحكام الشريعة، وإما لأنّ موسى أعلم بأن السامري لا يرجى صلاحه، فيكون ممن حقّت عليه كلمة العذاب، مثل الذين قال الله تعالى فيهم: {إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97]، ويكون قد أطلع الله موسى على ذلك بوحي أو إلهام، مثل الذي قاتل قتالاً شديداً مع المسلمين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "أما إنه من أهل النّار"، ومثل المنافقين الذين أعلم الله بهم محمداً صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم حذيفة بن اليمان ببعضهم.

فقوله {فَاذْهَبْ} الأظهر أنه أمر له بالانصراف والخروج من وسط الأمّة، ويجوز أن يكون كلمة زجر، كقوله تعالى: {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنّم جزاؤكم} [الإسراء: 63]...

ويجوز أن يكون مراداً به عدم الاكتراث بحاله...

أما قوله {فَإنَّ لَكَ في الحَيَاةِ أن تَقُولَ لا مِساس وإنَّ لكَ مَوْعِداً لَن تُخْلفَهُ} فهو إخبار بما عاقبه الله به في الدنيا والآخرة، فجعل حَظه في حياته أن يقول لا مِساس، أي سلبه الله الأُنس الذي في طبع الإنسان فعوضه به هوساً ووسواساً وتوحشاً، فأصبح متباعداً عن مخالطة الناس، عائشاً وحده لا يترك أحداً يقترب منه، فإذا لقيه إنسان قال له: لا مساس، يخشى أن يمسه، أي لا تمسني ولا أمسك، أو أراد لا اقتراب مني، فإن المس يطلق على الاقتراب كقوله {ولا تمسوها بسوء} [هود: 64]، وهذا أنسب بصيغة المفاعلة، أي مقاربة بيننا، فكان يقول ذلك، وهذه حالة فظيعة أصبح بها سخرية...

وقوله {وإنَّ لكَ مَوعِداً} اللام في {لَكَ} استعارة تهكمية، كقوله تعالى: {وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7] أي فعليها. وتوعده بعذاب الآخرة فجعله موعداً له، أي موعد الحشر والعذابِ، فالموعد مصدر، أي وعد لا يخلف {وعد الله لا يخلف الله وعده} [الروم: 6]. وهنا توعُّد بعذاب الآخرة...

وبعد أن أوعد موسى السامريّ بيّن له وللذين اتبعوه ضلالهم بعبادتهم العجل بأنه لا يستحق الإلهيّة لأنّه معرّض للامتهان والعَجز، فقال: {وانْظُر إلى إلهك الَّذِي ظَلتَ عليهِ عاكِفاً لنُحرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ في الْيَمِ نَسْفاً}. فجعَل الاستدلال بالنظر إشارة إلى أنه دليل بيّن لا يحتاج المستدل به إلى أكثر من المشاهدة فإن دلالة المحسوسات أوضح من دلالة المعقولات.

وأضاف الإله إلى ضمير السامريّ تهكماً بالسامريّ وتحقيراً له، ووصف ذلك الإله المزعوم بطريق الموصولية لما تدلّ عليه الصلة من التنبيه على الضلال والخطأ، أي الذي لا يستحق أن يعكف عليه...

والعكوف: ملازمة العبادة وتقدم آنفاً. وتقديم المجرور في قوله {عَلَيْهِ عَاكِفَاً} للتخصيص، أي الذي اخترته للعبادة دون غيره، أي دون الله تعالى.

وقرأ الجمهور {لنُحرِّقنَّه} بضم النون الأولى وفتح الحاء وكسر الراء مشددة. والتحريق: الإحراق الشديد، أي لنحرقنه إحراقاً لا يدع له شكلاً. وأراد به أن يذيبه بالنّار حتى يفسد شكله ويصير قِطَعاً...

والنسف: تفريقٌ وإذراء لأجزاء شيء صلب كالبناء والتراب...

و (ثم) للتّراخي الرتبي، لأن نسف العجل أشد في إعدامه من تحريقه وأذل له.

وأكد ننسِفَنّه بالمفعول المطلق إشارة إلى أنه لا يتردد في ذلك ولا يخشى غضبه كما يزعمون أنّه إله.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

من الواضح أنّ جواب السامري عن سؤال موسى (عليه السلام) لم يكن مقبولاً بأي وجه، ولذلك فإنّ موسى (عليه السلام) أصدر قرار الحكم في هذه المحكمة، وحكم بثلاثة أحكام عليه وعلى عجله، فأوّلا: (قال فاذهب فإنّ لك في الحياة أن تقول لا مساس) أي يجب عليك الابتعاد عن الناس وعدم الاتّصال بهم إلى آخر العمر، فكلّما أراد شخص الاقتراب منك، فعليك أن تقول له: لا تتّصل بي ولا تقربني. وبهذا الحكم الحازم طرد السامري من المجتمع وجعله في عزلة تامّة. منزوياً بعيداً عنهم!...

والعقاب الثّاني: إنّ موسى (عليه السلام) قد أسمعه وأعلمه بجزائه في القيامة فقال: (وإنّ لك موعداً لن تخلفه). والثالث: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنّه ثمّ لننسفنّه في اليمّ نسفاً).

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا} (97)

قوله تعالى : " قال فاذهب " أي قال له موسى فاذهب أي من بيننا " فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس " أي لا أمس ولا أمس طول الحياة . فنفاه موسى عن قومه وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له . قال الشاعر :

تميمٌ كرهطِ السامري وقوله *** ألا لا يريدُ السامري مِسَاسَا

قال الحسن : جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه عقوبة له ولمن كان منه إلى يوم القيامة ، وكأن الله عز وجل شدد عليه المحنة ، بأن جعله لا يماس أحدا ولا يمكن من أن يمسه أحد ، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا . ويقال : ابتلي بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت . وقال قتادة : بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك - لا مساس - وإن مس واحد من غيرهم أحدا منهم حم كلاهما في الوقت . ويقال : إن موسى هم بقتل السامري ، فقال الله تعالى له : لا تقتله فإنه سخي . ويقال لما قال له موسى : " فاذهب فإن في الحياة أن تقول لا مساس " خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحشي ، لا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار كالقائل لا مساس ، لبعده عن الناس وبعد الناس عنه ، كما قال الشاعر :

حَمَّالُ راياتٍ بها قَنَاعِسَا *** حتى تقولَ الأزْدُ لا مَسَابسا{[11165]}

مسألة : هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا ، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بكعب بن مالك والثلاثة{[11166]} الذين خلفوا . ومن التجأ إلى الحرم وعليه قتل لا يقتل عند بعض الفقهاء ، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى ، وهو إرهاق إلى الخروج . ومن هذا القبيل التغريب في حد الزنى ، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه ، فلا معنى لإعادته . والحمد لله وحده . وقال هارون القارئ : ولغة العرب لا مساس بكسر السين وفتح الميم ، وقد تكلم النحويون فيه ، فقال سيبويه : هو مبني على الكسر كما يقال اضرب الرجل . وقال أبو إسحاق : لا مساس نفي وكسرت السين لأن الكسرة من علامة التأنيث ، تقول فعلت يا امرأة{[11167]} . قال النحاس وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : إذا اعتل الشيء من ثلاث جهات وجب أن يبنى ، وإذا اعتل من جهتين وجب ألا ينصرف ؛ لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء ، فمساس ودراك اعتل من ثلاث جهات : منها أنه معدول ، ومنها أنه مؤنث ، وأنه معرفة ، فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين ، كما تقول : اضرب الرجل . ورأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن هذا القول خطأ ، وألزم أبا العباس إذا سمى امرأة بفرعون يبنيه ، وهذا لا يقول أحد . وقال الجوهري في الصحاح : وأما قول العرب لا مساس مثال : قطام ، فإنما بني على الكسر ؛ لأنه معدول عن المصدر وهو المس . وقرأ أبو حيوة " لا مساس " . " وإن لك موعدا لن تخلفه " يعني يوم القيامة . والموعد مصدر ، أي إن لك وعدا لعذابك . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " تخلفه " بكسر اللام وله معنيان : أحدهما : ستأتيه ولن تجده مخلفا ، كما تقول : أحمدته أي وجدته محمودا . والثاني : على التهديد أي لا بد لك من أن تصير إليه . والباقون بفتح اللام ؛ بمعنى : إن الله لن يخلفك إياه .

قوله تعالى : " وانظر إلى إلهك الذي ظللت عليه عاكفا " أي دمت وأقمت عليه . " عاكفا " أي ملازما ، وأصله ظللت ، قال{[11168]} :

خَلاَ أن العِتَاقَ من المطايا *** أَحَسْنَ به فهنّ إليه شُوسُ

أي أحسن . وكذلك قرأ الأعمش بلامين على الأصل . وفي قراءة ابن مسعود " ظلت " بكسر الظاء . يقال : ظللت أفعل كذا إذا فعلته نهارا وظلت وظلت ، فمن قال : ظلت حذف اللام الأولى تخفيفا ، ومن قال : ظلت ألقى حركة اللام على الظاء . " لنحرقنه " قراءة العامة بضم النون وشد الراء من حرق يحرق . وقرأ الحسن وغيره بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء من أحرقه يحرقه . وقرأ علي وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب العقيلي " لنحرقنه " بفتح النون وضم الراء خفيفة ، من حرقت الشيء أحرقه حرقا بردته وحككت بعضه ببعض ، ومنه قولهم : حرق نابه يحرقه ويحرقه أي سحقه حتى سمع له صريف ، فمعنى هذه القراءة لنبردنه بالمَبَارِد ، ويقال للمِبْرَد المحرق . والقراءتان الأوليان معناهما الحرق بالنار . وقد يمكن جمع ذلك فيه ، قال السدي : ذبح العجل فسال منه كما يسيل من العجل إذا ذبح ، ثم برد عظامه بالمبرد حرقه وفي حرف ابن مسعود " لنذبحنه ثم لنحرقنه " واللحم والدم إذا أحرقا صارا رمادا فيمكن تذريته في اليم ، فأما الذهب فلا يصير رمادا ، وقيل : عرف موسى ما صير به الذهب رمادا ، وكان ذلك من آياته . ومعنى " لننسفنه " لنطيرنه . وقر أبو رجاء " لننسفنه " بضم السين لغتان ، والنسف نفض الشيء ليذهب به الريح وهو التذرية ، والمنسف : ما ينسف به الطعام ، وهو شيء متصوِّبُ{[11169]} الصدر أعلاه مرتفع ، والنسافة ما يسقط منه ؛ يقال : اعزل النسافة وكل من الخالص . ويقال : أتانا فلان كأن لحيته مِنْسف ، حكاه أبو نصر أحمد بن حاتم . والمنسفة آلة يقلع بها البناء ، ونسفت البناء نسفا قلعته ، ونسفت البعير الكلأ ينسفه بالكسر إذا اقتلعه بأصله ، وانتسفت الشيء اقتلعته ، عن أبي زيد .


[11165]:كذا في الأصول، ولم نقف عليه.
[11166]:في ك: وصاحبه.
[11167]:كذا في النحاس. والذي في الأصول: فعلت المرأة.
[11168]:هو أبو زيد؛ والشوس (بالتحريك) قال ابن سيده: أن ينظر بإحدى عينيه، ويميل وجهه في شق العين التي ينظر بها، ويكون ذلك خلفة، ويكون من الكبر والتيه والغضب.
[11169]:في ب وز: منصوب.