{ ثم دنا } من النبي عليه الصلاة والسلام . { فتدلى } فتعلق به وهو تمثيل لعروجه بالرسول صلى الله عليه وسلم . وقيل ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا فيكون من الرسول إشعارا بأنه عرج به غير منفصل عن محله تقريرا لشدة قوته ، فإن التدلي استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة ، ويقال دلى رجليه من السرير وأدلى دلوه ، والدوالي الثمر المعلق .
دنا جبريلُ من محمدٍ عليه السلام . فتدلَّى جبريلُ : أي نَزَلَ من العُلُوِّ إلى محمد .
وقيل : " تدلَّى " تفيد الزيادةَ في القُرْب ، وأَنَّ محمداً عليه السلام هو الذي دنا من ربِّه دُنُوَّ كرامة ، وأَنَّ التدلِّي هنا معناها السجود .
ويقال : دنا محمدٌ من ربِّه بما أُودِعَ من لطائفِ المعرفة وزوائِدها ، فتدلَّى بسكون قلبه إلى ما أدناه .
فتدلّى : امتد من أعلى إلى أسفل فزاد قربه ، من قولهم : تدلّت الثمرة .
قاب قوسين : القاب : ما بين المقبض وطرف القوس ، والقوس آلة على هيئة الهلال ترمى بها السهام ، أي : مقدار قوسين عربيتين ، والعرب تقدّر الأطوال بالقوس والرمح ، وبالذراع والباع ، وبالخطوة والشبر والإصبع .
8 ، 9- { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } .
ثم اقترب جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم ، وجعل يدنو منه ويتدلّى ، أي : يزيد في القرب والنزول ، حتى كان مقدار ما بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم من المسافة مقدار قوسين ، أو أقل من قوسين وأقرب من ذلك ، على تقديركم ومعاييركم ، وهذا كناية عن القرب .
ويصح أن يكون المعنى : بل هو أدنى .
وكل ذلك يعبّر عن القرب الحسّي والمعنوي ، والشوق والتقارب بين جبريل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم .
{ ثُمَّ دَنَا } أي ثم قرب جبريل عليه السلام من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } فتعلق جبريل عليه عليه الصلاة والسلام في الهواء ، ومنه تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير . والدوالي الثمر المعلق كعناقيد العنب وأنشدوا لأبي ذؤيب يصف مشتار عسل
: تدلى عليها بين سب وخيطة *** بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها
ومن أسجاع ابنة الخس كن حذراً كالقرلى إن رأى خيراً تدلى ، وإن رأى شراً تولى فالمراد بالتدلي دنو خاص فلا قلب ولا تأويل بإرادة الدنو كما في الإيضاح ، نعم إن جعل بمعنى التنزل من علو كما يرشد إليه الاشتقاق كان له وجه .