{ فَلَمَّا أَلْقُوْاْ } ما ألقوا من العصى والحبال واسترهبوا الناس وجاؤوا بسحر عظيم { قَالَ } لهم { موسى } غير مكترث بهم وبما صنعوا { مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر } { مَا } موصولة وقعت مبتدأ و { السحر } خبر وأل فيه للجنس والتعريف لإفادة القصر إفراداً أي الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وملؤه من آيات الله تعالى سحراً وهو للجنس ، ونقل عن الفراء أن أل للعه ، لتقدم السحر في قوله تعالى : { إِنَّ هذا لساحر } [ يونس : 76 ] ورد بأن شرط كونها للعهد اتحاد المتقدم والمتأخر ذاتاً كما في { أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فعصى فِرْعَوْنُ الرسول } [ المزمل : 15 ، 16 ] ولا اتحاد فيما نحن فيه فإن السحر المتقدم ما جاء به موسى عليه السلام وهذا ما جاء به السحرة . ومن الناس من منع اشتراط الاتحاد الذاتي مدعياً أن الاتحاد في الجنس كاف فقد قالوا في قوله تعالى : { والسلام على } [ مريم : 33 ] إن أل للعهد مع أن السلام الواقع على عيسى عليه السلام غير السلام الواقع على يحيى عليه السلام ذاتاً ، والظاهر اشتراط ذلك وعدم كفاية الاتحاد في الجنس وإلا لصح في رأيت رجلاً وأكرمت الرجل إذا كان الأول زيداً والثاني عمراً مثلاً أن يقال : إن أل للعه ، لأن الاتحاد في الجنس ظاهر ولم نجد من يقوله بل لا أظن أحداً تحدثه نفسه بذلك وما في الآية من هذا القبيل بل المغايرة بين المتقدم والمتأخر أظهر إذ الأول سحر ادعائي والثاني حقيقي ، و { السلام } فيما نقوا متحد وتعدد من وقع عليه لا يجعله متعدداً في العرف والتدقيق الفلسفي لا يلتفت إليه في مثل ذلك .
وقد ذكر بعض المحققين أن القول يكون التعريف للعهد مع دعوى استفادة القصر منه مما يتنافيان لأن القصر إنما يكون إذا كان التعريف للجنس . نعم إذا لم يرد بالنكرة المذكورة أولاً معين ثم عرفت لا ينافي التعريف الجنسية لأن النكرة تساوي تعريف الجنس فحينئذ لا ينافي تعريف العهد القصروان كان كلامهم يخالفه ظاهراً فليحرر انتهى . وأقول : دعوى الفراء العهد هنا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ، ولعله أراد الجنس وأن عبر بالعهد بناء على ما ذكره الجلال السيوطي في همع الهوامع نقلاً عن ابن عصفور أنه قال : لا يبعد عندي أن يسمى الألف واللام اللتان لتعريف الجنس عهديتين لأن الأجناس عند العقلاء معلومة مذ فهموها والعهد تقدم المعرفة . وادعى أبو الحجاج يوسف بن معزوز أن أل لا تكون إلا عهدية وتأوله بنحو ما ذكر إلا أن ظاهر التعليل لا يساعد ذلك . وقرأ عبد الله { ساحر } بالتنكير ، وأبى { مَّا ءاتَيْتُم * بِهِ * ساحر } والكلام على ذلك مفيد للقصر أيضاً لكن بواسطة التعريض لوقوعه في مقابلة قولهم :
{ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } [ يونس : 76 ] وجوز في { مَا } في جميع هذا القراآت أن تكون استفهامية و { السحر } خبر مبتدأ محذوف . وقرأ أبو عمرو . وأبو جعفر { السحر } بقطع الألف ومدها على الاستفهام فما استفهامية مرفوعة على الابتداء و { جِئْتُمْ بِهِ } خبرها و { السحر } خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف ، أي شيء جسيم جئتم به أهو السحر أو السحر هو ، وقد يجعل السحر بدلاً من { مَا } كما تقول ما عندك أدينار أم درهم ، وقد تجعل { مَا } نصباً بفعل محذوف يقدر بعدها أي أي شيء أتيتم به و { جِئْتُمْ بِهِ } مفسر له وفي { السحر } الوجهان الأولان .
وجوز أن تكون موصولة مبتدأ والجملة الاسمية أي أهو السحر أو السحر هو خبره ، وفيه الأخبار بالجملة الإنشائية ، ولا يجوز أن تكون على هذا التقدير منصوبة بفعل محذوف يفسره المذكور لأن ما لا يعمل لا يفسر عاملاً .
{ إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } أي سيمحقه بالكلية بما يظهره على يدي من المعجزة فلا يبقى له أثر أصلاً أو سيظهر بطلانه وفساده للناس ، والسين للتأكيد { إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين } أي جنسهم على الإطلاق فيدخل فيه السحرة دخولاً أولياً ، ويجوز أن يراد بالمفسدين المخاطبون فيكون من وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالافساد والاشعار بعلة الحكم ، والجملة تذييل لتعليل ما قبلها وتأكيده ، والمراد بعدم إصلاح ذلك عدم إثباته أو عدم تقويته بالتأييد الإلهي لا عدم جعل الفاسد صالحاً لظهور أن ذلك مما لا يكون أي أنه سبحانه لا يثبت عمل المفسدين ولا يديمه بل يزيله ويمحقه أو لا يقويه ولا يؤيده بل يظهر بطلانه ويجعله معلوماً .
واستدل بالآية على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له . وأنت تعلم أن في اطلاق القول بأن السحر لا حقيقة له بحثاً ، والحق أن منه ما له حقيقة ومنه ما هو تخيل باطل ويسمى شعبذة وشعوذة .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فلما ألقوا} الحبال والعصي، سحروا أعين الناس،
{قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله} يعني إن الله سيدحضه ويقهره،
{إن الله لا يصلح عمل المفسدين}، يعني إن الله لا يعطي أهل الكفر والمعاصي الظفر.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"فَلَمّا ألْقَوْا" ما هم ملقوه "قالَ لهم مُوسَى ما جِئْتُمْ بِهِ السّحْرُ"...
وخبر موسى كان خبرا عن معروف عنده وعند السحرة، وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله علما له على صدقه ونبوته إلى أنه سحر، فقال لهم موسى: السحر الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة، هو الذي جئتم به أنتم لا ما جئتكم به أنا. ثم أخبرهم أن الله سيبطله. فقال: "إنّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ "يقول: سيذهب به، فذهب به تعالى ذكره بأن سلط عليه عصا موسى قد حوّلها ثعبانا يتلقفه حتى لم يبق منه شيء. "إنّ اللّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ" يعني: أنه لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه وعمل فيها بمعاصيه...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
"إن الله لا يصلح عمل المفسدين" فالإصلاح: تقديم العمل على ما ينفع بدلا مما يضر. والصلاح: استقامة العمل على هذا الوجه. والإفساد: تعويج العمل إلى ما يضر بدلا مما ينفع. والفساد اضطراب العمل على هذا الوجه. والصلاح مضمن بالنفع...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ}: سيمحقه أو يظهر بطلانه بإظهار المعجزة على الشعوذة {لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين}: لا يثبته ولا يديمه، ولكن يسلط عليه الدمار.
{إن الله لا يصلح عمل المفسدين} أي: لا يقويه ولا يكمله.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{فلما ألقوا} أي وقع منهم الإلقاء بحبالهم وعصيهم على إثر مقالاته وخيلوا بسحرهم لعيون الناس ما زلزل عقولهم {قال موسى} منكراً عليهم {ما جئتم به} ثم بين أنه ما استفهم عنه جهلاً بل احتقاراً وإنكاراً، وزاد في بيان كل من الأمرين بقوله: {السحر} لأنه استفهام أيضاً سواء قطعت الهمزة ومدت كما في قراءة أبي عمرو وأبي جعفر أو جعلت همزة وصل كما في قراءة الباقين، فإن همزة الاستفهام مقدرة، والتعريف إما للعهد وإما للحقيقة وهو أقرب، ويجوز في قراءة الجماعة أن يكون خبراً لما يقصد به الحصر، أي هو السحر لا ما نسبتموه إليّ؛ ثم استأنف بيان ما حقره به فقال: {إن الله} أي الذي له إحاطة العلم والقدرة} سيبطله {أي عن قريب بوعد لا خلف فيه؛ ثم علل ذلك بما بين أنه فساد فقال: {إن الله} أي الذي له الكمال كله {لا يصلح} أي وفي وقت من الأوقات {عمل المفسدين} أي العريقين في الفساد بأن لا ينفع بعملهم ولا يديمه.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{فَلَمَّا أَلْقَواْ} ما ألقوه من حبالهم وعصيتهم الصناعية السحرية {قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْر} أي هذا الذي جئتم به وألقيتموه أمامنا هو السحر لا ما جئت به من آيات الله تعالى، وسماه فرعون وملؤه سحرا.
{إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ} أي سيظهر بطلانه للناس وأنه صناعة خادعة، لا آية خارقة صادعة، فالجملة استئنافية لبيان ما يوقن به موسى من مآل هذا السحر، ويجوز أن تكون خبرا لما قبلها، ويكون التقدير: ما جئتم به الذي هو السحر، إن الله سيبطله بما جئت به من الحق، وعلل حكمه بقوله: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}، وهو قاعدة عامة مبينة لسنة الله في تنازع الحق والباطل، والصلاح والفساد، ويدخل فيها سحرهم فإنه باطل وفساد، أي لا يجعل عمل المفسدين صالحا، والسحر من عمل فرعون وقومه المفسدين.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
وهكذا كل مفسد عمل عملاً، واحتال كيدًا، أو أتى بمكر، فإن عمله سيبطل ويضمحل، وإن حصل لعمله روجان في وقت ما، فإن مآله الاضمحلال والمحق. وأما المصلحون الذين قصدهم بأعمالهم وجه الله تعالى، وهي أعمال ووسائل نافعة، مأمور بها، فإن الله يصلح أعمالهم ويرقيها، وينميها على الدوام، فألقى موسى عصاه، فتلقفت جميع ما صنعوا، فبطل سحرهم، واضمحل باطلهم...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وإنما كان السحرة مفسدين لأن قصدهم تضليل عقول الناس ليكونوا مسخرين لهم ولا يعلموا أسباب الأشياء فيبقوا آلة فيما تأمرهم السحرة، ولا يهتدوا إلى إصلاح أنفسهم سبيلاً. أما السحرة الذين خاطبهم موسى عليه السلام فإفسادهم أظهر لأنهم يحاولون إبطال دعوة الحق والدين القويم وترويج الشرك والضلالات...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
فالساحر المأجور الذي يباشر عملية السحر، والساحر الذي يستأجره على ذلك للاستعانة بسحره على بلوغ غرض من أغراضه السافلة كلاهما محكوم عليه مسبقا من الله تعالى بالخيبة والخسران، دينا ودنيا، عاجلا أو آجلا {ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه: 69] والمفسد الذي يتظاهر بالإصلاح، أو يدعي أن الفساد هو عين الصلاح، لا يستقيم له من الأمر شيء، بل لا بد أن ينقلب به الحال من سيء إلى أسوأ، اللهم إلا إذا عاد إلى طريق الصلاح الحقيقي، فيصلح الله عمله، ويحقق أمله {ويحق الله الحق بكلمته ولو كره المجرمون}.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{يُصْلِحُ}: يزيل ما فيه من فساد بعد وجوده. {إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} لأنه لا يمثل الحقيقة، بل يمثل الوجه الخادع للأشياء الذي لا ينفذ إلى عمق الواقع، بل يظل صباغاً باهتاً على السطح، وسيزول في أول صدمة. أما الحق، فإن جذوره ضاربةٌ في أعماق الحياة، وذلك هو الفرق بين ما يفسد الحياة، وبين ما يصلحها.