اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (81)

قوله : { مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر } قرأ أبو عمرو{[18562]} وحده : " آلسِّحر " بهمزة الاستفهام ، وبعدها ألف محضةٌ ، وهي بدل عن همزة الوصلِ الدَّاخلة على لام التعريف ، ويجوز أن تُسَهَّل بين بين ، وقد تقدَّم تحقيق هذين الوجهين في قوله : { ءَآلذَّكَرَيْنِ } [ الأنعام : 143 ] وهي قراءة مجاهد ، وأصحابه ، وأبي جعفر ، وقرأ باقي السبعة : بهمزة وصلٍ تسقُط في الدَّرْج ، فأمَّا قراءةُ أبي عمرو ، ففيها أوجه :

أحدها : أنَّ " ما " استفهاميَّة في محلِّ رفع بالابتداء ، و " جِئْتُمْ بِه " : الخبرُ ، والتقدير : أي شيءٍ جِئْتُم ، كأنَّه استفهام إنكار ، وتقليلٌ للشَّيءِ المُجاء به . و " السِّحْر " بدلٌ من اسم الاستفهام ؛ ولذلك أعيد معه أداته ؛ لما تقرَّر في كتب النحو ، وذلك ليساوي المبدل منه في أنَّه استفهامٌ ، كما تقول : كم مالك أعشرون ، أم ثلاثون ؟ فجعلت : أعشرون بدلاً من كم ، ولا يلزم أن يضمر للسِّحر خبر ؛ لأنَّك إذا أبدلته من المبتدأ ، صار في موضعه ، وصار ما كان خبراً عن المبدل منه ، خبراً عنه .

الثاني : أن يكون " السِّحْر " خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : أهُو السِّحْر .

الثالث : أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ، تقديره : السحر هو ، ذكر هذين الوجهين أبو البقاء ، وذكر الثاني مكِّي ، وفيهما بعد .

الرابع : أن تكون " ما " موصولة بمعنى : الذي ، و " جئتم به " صلتها ، والموصولُ في محلِّ رفع بالابتداء ، والسِّحر على وجهيه من كون خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ محذوف الخبر ، تقديره : الذي جئتم به أهُو السِّحْر ؟ أو الذي جئتم به السحر هو ؟ وهذا الضميرُ هو الرَّابط ، كقولك : الذي جاءك أزيدٌ هو ؟ قاله أبو حيَّان .

قال شهاب الدِّين{[18563]} : قد منع مكِّي أن تكون " ما " موصولةً ، على قراءة أبي عمرو ، فقال : وقد قرأ أبو عمرو " " آلسحرُ " بالمدِّ ، فعلى هذه القراءة : تكون " ما " استفهاماً مبتدأ ، و " جِئْتُم بِهِ " : الخبر ، و " السّحر " خبرُ ابتداءٍ محذوف ، أي : أهو السِّحر ؟ ولا يجوزُ أن تكون " مَا " بمعنى : " الَّذي " على هذه القراءة ؛ إذ لا خبر لها . وليس كما ذكر ، بل خبرها : الجملةُ المقدَّرُ أحدُ جُزأيها ، وكذلك الزمخشري ، وأبو البقاء لمْ يُجِيزَا كونها موصولةً ، إلاَّ في قراءة غير أبي عمرو ، لكنَّهُمَا لم يتعرَّضَا لعدم جوازه .

الخامس : أن تكون " ما " استفهامية في محلِّ نصبِ بفعل مقدَّرٍ بعدها ؛ لأنَّ لها صدر الكلام ، و " جِئْتُم به " مفسِّر لذلك الفعل المقدَّر ، وتكون المسألةُ حينئذٍ من باب الاشتغال ، والتقدير : أيُّ شيءٍ أتيتُم جِئْتُم به ، و " السِّحْر " على ما تقدَّم ، ولو قُرئ بنصب " السِّحْر " على أنَّه بدلٌ مِنْ " ما " بهذا التقدير ، لكان لهُ وجه ، لكنَّه لم يقرأ به فيما علمت ، وسيأتي ما حكاه مكِّي عن الفرَّاء من جواز نصبه لمدركٍ آخر ، لا على أنَّها قراءةٌ منقولةٌ عن الفرَّاء .

وأمَّا قراءةُ الباقين ، ففيها أوجهٌ :

أحدها : أن تكون " ما " بمعنى : " الذي " في محلِّ رفعٍ بالابتداء ، و " جِئْتُم بِه " صلته وعائده ، و " السِّحرُ " خبرهُ ، والتقدير : الذي جئتم به السحر ، ويؤيِّد هذا التقدير ، قراءة أبيّ{[18564]} ، وما في مصحفه : " ما أتيتم به سِحْرٌ " ، وقراءة عبد الله بن مسعود والأعمش : " مَا جِئْتُمْ بِهِ سحْرُ " .

الثاني : أن تكون " ما " استفهامية في محلِّ نصبٍ ، بإضمار فعل على ما تقرَّر و " السِّحْر " خبر ابتداء مضمر ، أو مبتدأ مضمر الخبر .

الثالث : أن تكون " ما " في محلِّ رفع بالابتداء ، و " السِّحْر " على ما تقدَّم من كونه مبتدأ ، أو خبراً ، والجملة خبر " ما " الاستفهامية .

قال أبو حيَّان - بعد ما ذكر الوجه الأول - : " ويجوز عندي أن تكون في هذا الوجه استفهاميَّة في موضع رفع بالابتداء ، أو في موضع نصبٍ على الاشتغال ، وهو استفهامٌ على سبيل التَّحقير ، والتَّقليل لما جاؤوا به ، و " السِّحْر " خبرُ مبتدأ محذوفٍ ، أي : هو السِّحْر " .

قال شهاب الدِّين{[18565]} : ظاهرُ عبارته : أنَّه لم يَرَ غيره ، حيث قال وعندي ، وهذا قد جوَّزه أبو البقاء ومكِّي .

قال أبو البقاء - لمَّا ذكر قراءة غير أبي عمرو - " ويُقْرَأ بلفظ الخبر ، وفيه وجهان " ، ثم قال : " ويجوزُ أن تكون " ما " استفهاميَّة ، و " السِّحْر " خبر مبتدأ محذوف " .

وقال مكِّي - في قراءة غير أبي عمرو ، بعد ذكره كون " ما " بمعنى : الذي - ويجوز أن تكون " ما " رفعاً بالابتداء ، وهي استفهامٌ ، و " جِئْتُم بهِ " : الخبر ، و " السِّحْر " خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو السِّحر ، ويجُوزُ أن تكون " ما " في موضع نصبٍ على إضمار فعلٍ بعد " ما " تقديره : أيُّ شيءٍ جئتم به ، و " السحرُ " : خبر ابتداء محذوف .

الرابع : أن تكون هذه القراءةُ كقراءة أبي عمرو في المعنى ، أي : أنَّها على نيةِ الاستفهامِ ، ولكن حذفت أداته للعلم بها .

قال أبو البقاء : ويقرأ بلفظِ الخبر ، وفيه وجهان :

أحدهما : أنَّه استفهامٌ في المعنى أيضاً ، وحذفت الهمزة للعلم بها وعلى هذا الذي ذكره : يكونُ الإعرابُ على ما تقدَّم ، واعلم أنَّك إذا جعلت " ما " موصولة بمعنى : الذي ، امتنع نصبُها بفعلٍ مقدَّرٍ على الاشتغال .

قال مكِّي : ولا يجُوزُ أن تكون " ما " بمعنى : الذي ، في موضع نصْبٍ لأنَّ ما بعدها صلتها ، والصلةُ لا تعمل في الموصول ، ولا يكون تفسيراً للعامل في الموصول وهو كلامٌ صحيحٌ ؛ فتلخَّص من هذا : أنَّها إذا كانت استفهامية ، جاز أن تكون في محلِّ رفع أو نصب ، وإذا كانت موصولة ، تعيَّن أن يكون محلُّها الرفع بالابتداء ، وقال مكي : وأجاز الفرَّاءُ نصب " السِّحْر " فجعل " ما " شرطاً ، وينصبُ " السِّحْر " على المصدر ، وتضمرُ الفاءُ مع { إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } ، وتجعل الألف واللام في " السِّحْر زائدتين ، وذلك كلُّه بعيدٌ ، وقد أجاز عليُّ بن سليمان : حذف الفاءِ من جواب الشَّرط في الكلام ، واستدلَّ على جوازه بقوله - تعالى - : { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشورى : 30 ] ، ولم يجزه غيره إلاَّ في ضرورة شعر .

قال شهاب الدِّين : وإذا مشينَا مع الفرَّاء ، فتكون " ما " شرطاً يُراد بها المصدرُ ، تقديره : أيَّ سحر جئتم به ، فإنَّ الله سيبطله ، ويُبَيِّن أنَّ " ما " يراد بها السحر قوله : " السِّحْر " ؛ ولكن يقلقُ قوله : " إنَّ نصب السِّحْر على المصدريَّة " فيكون تأويله : أنَّه منصوبٌ على المصدر الواقع موقع الحال ؛ ولذلك قدَّره بالنَّكرة ، وجعل " أل " مزيدة فيه .

وقد نُقِلَ عن الفرَّاء : أنَّ هذه الألف واللام للتعريف ، وهو تعريف العهد ، قال الفرَّاء : " وإنَّما قال " السِّحر " بالألف واللاَّم ؛ لأنَّ النَّكرة إذا أعيدتْ ، أعيدت بالألف واللاَّم " يعنى : أنَّ النَّكرة قد تقدَّمت في قوله : { إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } [ يونس : 76 ] ، وبهذا شرحهُ ابنُ عطيَّة .

قال ابن عطيَّة : والتعريف هنا في السحر أرْتَبُ ؛ لأنَّه قد تقدَّم منكَّراً في قولهم : " إنَّ هذا لسحرٌ " ، فجاء هنا بلام العهد ، كما يقال أوَّل الرسالة : " سلامٌ عليك " .

قال أبو حيَّان " وما ذكراه هنا في " السِّحْر " ليس من تقدُّم النكرة ، ثُمَّ أخبر عنها بعد ذلك ؛ لأنَّ شرط هذا أن يكون المعرَّفُ ب " أل " هو المنكر المتقدَّم ، ولا يكون غيره ، كقوله - تعالى - : { كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول } [ المزمل : 15 ، 16 ] .

وتقول : " زارنِي رجلٌ ، فأكرمتُ الرَّجُل " لمَّا كان إيَّاه ، جاز أن يُؤتَى بضميره بدلهُ ، فتقول : " فأكرمته " ، و " السِّحْر " هنا : ليس هو السحرَ الذي في قولهم : " إنَّ هذا لسحْرٌ " لأنَّ الذي أخبروا عنه بأنَّه سحرٌ ، هو ما ظهر على يدي موسى من معجزة العصا ، والسِّحْر الذي في قول موسى ، إنَّما هو سحرهُم الذي جاؤوا به ، فقد اختلف المدلولان ، إذ قالوا هم عن معجزة موسى ، وقال موسى عمَّا جاؤوا به ؛ ولذلك لا يجُوز أن يؤتى هنا بالضَّمير بدل السِّحْر ؛ فيكون عائداً على قولهم : لسحْرٌ " .

قال شهاب الدِّين : " والجوابُ : أنَّ الفرَّاء ، وبن عطيَّة إنَّما أرَادَا السِّحر المتقدِّم الذكر في اللفظ ، وإن كان الثَّاني هو غير عين الأول في المعنى ، ولكن لمَّا أطلق عليهما لفظ " السَّحْر " جاز أن يقال ذلك ، ويدلُّ على هذا : أنَّهم قالوا في قوله - تعالى - : { والسلام عَلَيَّ } [ مريم : 33 ] إنَّ الألف واللام للعهد ؛ لتقدُّم ذكر السَّلام في قوله - تعالى - : { وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ } [ مريم : 15 ] ، وإن كان السَّلامُ الواقعُ على عيسى ، هو غير السلام الواقع على يحيى ؛ لاختصاص كلِّ سلام بصاحبه من حيث اختصاصه به ، وهذا النَّقْل المذكورُ عن الفرَّاء في الألف واللاَّم ، ينافى ما نقلهُ عنه مكِّي فيهما ، اللَّهُمَّ إلاَّ أن يقال : يحتمل أن يكون له مقالتان ، وليس ببعيدٍ ؛ فإنَّه كُلَّما كثر العلمُ ، اتَّسعت المقالاتُ " .

قوله : { إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } أي : سيهلكه ، ويظهر فضيحة صاحبه ، { إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين } أي : لا يقوِّيه ولا يكمِّله ، وقوله : " المُفْسدينَ " من وقوع الظَّاهر موقع ضمير المخاطب ؛ إذ الأصلُ : لا يصلح عملكم ؛ فأبرزهم في هذه الصِّفة الذَّميمة شهادة عليهم بها .


[18562]:ينظر: السبعة ص (328)، الحجة 4/289-290، حجة القراءات ص(335)، إعراب القراءات 1/272، إتحاف فضلاء البشر 2/118.
[18563]:ينظر: الدر المصون 4/59.
[18564]:ينظر: إتحاف فضلاء البشر 2/118، الكشاف 2/363، المحرر الوجيز 3/135، البحر المحيط 5/181، الدر المصون 4/59.
[18565]:ينظر: الدر المصون 4/59.