الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ} (3)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا " تهديد لهم . " ويلههم الأمل " أي يشغلهم عن الطاعة . يقال : ألهاه عن كذا أي شغله . ولهي هو عن الشيء يلهى . " فسوف يعلمون " إذا رأوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا . وهذه الآية منسوخة بالسيف .

الثانية : في مسند البزار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أربعة من الشقاء جمود العين وقساوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا ) . وطول الأمل داء عضال ومرض مزمن ، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه واشتد علاجه ، ولم يفارقه داء ولا نجع فيه دواء ، بل أعيا الأطباء ويئس من برئه الحكماء والعلماء . وحقيقة الأمل : الحرص على الدنيا والانكباب عليها ، والحب لها والإعراض عن الآخرة . وروي{[9596]} عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك أخرها بالبخل والأمل ) . ويروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قام على درج مسجد دمشق فقال : ( يا أهل دمشق ، ألا تسمعون من أخ لكم ناصح ، إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيرا ويبنون مَشِيدًا ويأملون بعيدا ، فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا وأملهم غرورا . هذه عاد قد ملأت البلاد أهلا ومالا وخيلا ورجالا ، فمن يشتري مني اليوم تركتهم بدرهمين ! وأنشد :

يا ذا المؤمل أمالا وإن بَعُدت *** منه ويزعم أن يَحْظَى بأقصاها

أنَّى تَفُوزُ بما ترجوه ويك وما *** أصبحتَ في ثقة من نيل أدناها

وقال الحسن : ( ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل ) . وصدق رضي الله عنه ! فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني ، ويعقب التشاغل والتقاعس ، ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى . وهذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان ولا يطلب صاحبه ببرهان ، كما أن قصر الأمل يبعث على العمل ، ويحيل على المبادرة ، ويحث على المسابقة .


[9596]:في ي: يروى.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ} (3)

قوله : ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل ) ذلك أمر إهانة وتحقير للمشركين الظالمين ؛ أي دع الطمع في إيمان هؤلاء الكافرين أو في ازدجارهم ، وخلهم يأكلوا ما شاءوا أن يأكلوه من طعام ، ويستمتعوا بما حوته هذه الدنيا من لذائذ ( ويلههم الأمل ) أي تشغلهم آمالهم وأمانيهم عن تدبر الحق والمبادرة إلى طاعة الله والتزام دينه وشرعه ( فسوف يعلمون ) سوف يعلمون حين يقبلون على الله ويعاينون العقاب الموعود أنهم كانوا في الدنيا لاهين غافلين ، فصاروا إلى خسارة وتباب . وأيقنوا بعد ندامتهم الشديدة أن آمالهم في تحصيل المال والمتاع في الدنيا لم تجرجر لهم سوى الحسرات والتخسير .