الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي - الثعالبي  
{ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ} (3)

وقوله سبحانه : { ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا } [ الحجر : 3 ] .

وعيدٌ وتهديدٌ ، وما فيه من المهادنة منسوخٌ بآية السيْف .

وروى ابنُ المُبارَك في «رقائقه » ، قال : أخبرنا الأوزاعيُّ عن عُرْوَةَ بن رُوَيْمٍ ، قال : قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( شِرَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ وُلِدُوا في النَّعِيم ، وغُذُوا به ، هِمَّتُهُمْ أَلْوَانُ الطَّعَامِ ، وَأَلْوَانُ الثِّيَابِ ، يَتَشَدَّقُونَ بِالْكَلاَمِ ) انتهى .

وقوله : { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } : وعيدٌ ثانٍ ، وحكى الطبريُّ عن بعض العلماء أنه قال : الأولُ في الدنيا ، والثَّاني في الآخرة ، فكيف تَطِيبُ حياةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الوعِيدَيْنِ .

وقوله : { وَيُلْهِهِمُ الأمل } : أي : يشغلهم أملهم في الدنيا ، والتزيُّد منها .

قال عبدُ الحَقِّ في «العَاقِبة » : اعلم رحمك اللَّه أنَّ تقصير الأمل مَعَ حُبِّ الدنيا متعذر ، وانتظار المَوْتِ مع الإِكباب عَلَيْها غَيْرُ مُتَيَسِّر ، ثم قال : واعلم أنَّ كثرة الاشتغال بالدنْيَا والمَيْلَ بالكلِّية إِليها ، وَلَذَّةَ أمانيِّها تمنَعُ مرارةَ ذكْرِ المَوْت ؛ أَنْ تَرِدَ على القلْب ، وأنْ تَلِجَ فيه ، لأن القَلْبَ إِذا امتلأ بشَيْءٍ ، لم يكُنْ لشيءٍ آخر فيه مَدْخَلٌ ، فإِذا أَرَادَ صاحبُ هذا القَلْبِ سَمَاعَ الحِكْمَة ، والانتفاع بالموعظة ، لم يكُنْ لهُ بُدٌّ من تفريقه ، لِيَجِدَ الذَكْرُ فيه منزلاً ، وتُلْقى الموعظةُ فيه محلاًّ قابلاً ، قال ابن السَّماك رحمه اللَّه : إِن الموتَى لَمْ يبْكُوا من الموت لكنهم بَكَوْا مِنْ حَسْرة الفوت ؛ فَاتَتْهُمْ دَارٌ لَمْ يتزوَّدوا منها ، ودخلوا داراً لم يتزوَّدوا لها . انتهى .

وإِنما حصل لهم الفَوْتُ ؛ بسبب استغراقهم في الدنيا ، وطولِ الأمل المُلْهِي عن المعادِ ، ألهمنا اللَّه رُشْدَنَا بمَنِّه .