الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ} (43)

قوله تعالى : " مهطعين " أي مسرعين ، قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ، مأخوذ من أهطع يهطع إذا أسرع ومنه قوله تعالى : " مهطعين إلى الداع{[9552]} " [ القمر : 8 ] أي مسرعين . قال الشاعر :

بدجلةَ دارُهم ولقد أراهُم *** بدجلةَ مهطعينَ إلى السَّمَاعِ

وقيل : المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع ، أي ناظرين من غير أن يطرفوا ، قاله ابن عباس ، وقال مجاهد والضحاك : " مهطعين " أي مديمي النظر . وقال النحاس : والمعروف في اللغة أن يقال : أهطع إذا أسرع ، قال أبو عبيد : وقد يكون الوجهان جميعا يعني الإسراع مع إدامة النظر . وقال ابن زيد : المهطع الذي لا يرفع رأسه . " مقنعي رؤوسهم " أي رافعي رؤوسهم ينظرون في ذل . وإقناع الرأس رفعه ، قاله ابن عباس ومجاهد . قال ابن عرفة والقتبي وغيرهما : المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه ، ومنه الإقناع في الصلاة{[9553]} وأقنع صوته إذا رفعه . وقال الحسن : وجوه الناس يومئذ إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد . وقيل : ناكسي رؤوسهم ، قال المهدوي : ويقال : أقنع إذا رفع رأسه ، وأقنع إذا رأسه ذلة وخضوعا ، والآية محتملة الوجهين ، وقاله المبرد ، والقول الأول أعرف في اللغة ، قال الراجز :

أَنْغَضَ{[9554]} نحوي رأسه وأَقْنَعَا *** كأنما أبصرَ شيئًا أطْمَعَا

وقال الشماخ يصف إبلا :

يُبَاكِرْنَ العِضَاهَ{[9555]} بِمُقْنِعَاتٍ *** نواجذُهن كالحَدَإِ الوَقِيعِ

يعني : برؤوس مرفوعات إليها لتتناولهن . ومنه قيل : مقنعة لارتفاعها{[9556]} . ومنه قنع الرجل إذا رضي ، أي : رفع رأسه عن السؤال . وقنع إذا سأل أي أتى ما يتقنع منه ، عن النحاس . وفم مُقْنَعٌ أي معطوفة أسنانه إلى داخل . ورجل مقنع بالتشديد ، أي عليه بيضة قاله الجوهري . " لا يرتد إليهم طرفهم " أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي شاخصة النظر . يقال : طرف الرجل يطرف طرفا إذا أطبق جفنه على الآخر ، فسمي النظر طرفا لأنه به يكون . والطرف العين . قال عنترة :

وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لي جَارَتِي*** حتى يواريَ جارتي مأواها

وقال جميل :

وأقْصِرُ طرفي دون جُمْلٍ كرامةً *** لجُمْلٍ وللطرفِ الذي أنا قَاصِرُهْ

قوله تعالى : " وأفئدتهم هواء " أي لا تغني شيئا من شدة الخوف . ابن عباس : خالية من كل خير . السدي : خرجت قلوبهم من صدورهم فنشبت في حلوقهم ، وقال مجاهد ومرة وابن زيد : خاوية خربة متخرقة{[9557]} ليس فيها خير ولا عقل ، كقولك في البيت الذي ليس فيه شيء : إنما هو هواء ، وقال ابن عباس : والهواء في اللغة المجوف الخالي ، ومنه قول حسان :

ألا أَبْلِغْ أبا سفيانَ عَنِّي *** فأنتَ مُجَوَّفٌ{[9558]} نَخِبٌ هَوَاءُ

وقال زهير يصف صغيرة الرأس :

كأنَّ الرجلَ منها فوق صعلٍ{[9559]} *** من الظلمان جؤجؤه هواء

فارغ أي خال ، وفي التنزيل : " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا{[9560]} " [ القصص : 10 ] أي من كل شيء إلا من هم موسى . وقيل : في الكلام إضمار ، أي ذات هواء وخلاء .


[9552]:راجع ج 17 ص 130.
[9553]:الإقناع في الصلاة أن يرفع المصلي رأسه حتى يكون أعلى من ظهره.
[9554]:أنغض رأسه: حركه.
[9555]:العضاه: كل شجر يعظم وله شوك. والحدأ (بفتح الحاء) وقيل: (بكسرها) جمع حدأة، وهي الفأس ذات الرأسين، والوقيع: المحدد. شبه الشاعر أسنان الإبل بالفؤوس في الحدة.
[9556]:أي على الرأس من المرأة.
[9557]:في و: محترقة.
[9558]:المجوف والمجوف: الجبان الذي لا قلب له. والنخب: من النخب بمعنى النزع. يقال: رجل نخب أي جبان كأنه منتزع الفؤاد.
[9559]:"فوق صعل" شبه الناقة في سرعتها بالظليم وهو ذكر النعام، فكأن رحلها فوقه. والصعل: الصغير الرأس، وبذلك يوصف الظليم. والجؤجؤ الصدر.
[9560]:راجع ج 13 ص 254.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ} (43)

قوله : ( معطعين مقنعي رؤوسهم ) مهطعين مقنعي رؤوسهم ، منصوبان على الحال من الضمير في ( يؤخرهم ) والتقدير : إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار في هاتين الحالتين{[2415]} و ( مهطعين ) أي مسرعين . من الإهطاع والهطع والهطوع وهو الإسراع . يقال : أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع . وأهطع الرجل إذا مد عنقه وصوّب رأسه وأسرع مقبلا خائفا . أو أقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه{[2416]} . ومقنعين ؛ أي رافعين رؤوسهم وناظرين في ذل وخوف{[2417]} .

وهذه هي حال الظالمين المجرمين الذين يأتون يوم القيامة وقد أثقلتهم الخطايا والمعاصي وأهلكهم الكفران والشرك والإفساد في الأرض . يأتون مسرعين رافعين رؤوسهم ، مادين أعناقهم ، شاخصة أبصارهم فلا تطرف . وذلك كله لهول الموقف العصيب ، ولشدة ما يغشاهم من الهوان والوجل . نسأل الله العفو والستر والنجاة والأمان .

قوله : ( لا يرتد إليهم طرفهم ) الطرف ، معناه تحريك الجفن ، والمراد : أن الظالمين لا تطرف أبصارهم ؛ فهم دائمو الشخوص في ذل ووجل .

قوله : ( وأفئدتهم هواء ) الهواء معناه الخلاء أو الأجوف الذي لم يشغله شيء ، ثم جعل ذلك وصفا للقلب المضطرب الخاوي الذي لا خير فيه ولا قوة . وهذه حال الكافرين الخاسرين يوم القيامة ؛ إذ تكون قلوبهم خالية من كل أمل أو رجاء أو خاطر لانشغالها بما تجده حينئذ من الهم والاضطراب والوجل .

هذه حال الظالمين الخاسرين يوم القيامة من التعس والخسران والذل واشتداد الوجل لهول ما يواجههم من الدواهي العظام والويلات المريعة الجسام . نجانا الله من كل ذلك برحمته نجاة تفضي بنا إلى السلامة والأمان .

وما ينبغي الظن أن عقاب الظالمين محصور في الآخرة دون الدنيا ؛ فإن الله المنتقم الجبار لا يخفى عليه ما يصنعه الطغاة المجرمون في هذه الدنيا من وجوه الظلم والباطل ، وما يكيده هؤلاء التعساء المجرمون لدينه وقرآنه والمسلمين من بالغ الكيد والعدوان والاضطهاد . والله جل جلاله يستمهل هؤلاء المضلين العصاة استمهالا ، حتى إذا جاء وعده بالانتقام دمّر عليهم أفظع تدمير وأخذهم أخذ عزيز مقتدر في هذه الدنيا قبل الآخرة{[2418]} .


[2415]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 61.
[2416]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 102 ومختار الصحاح ص 696.
[2417]:- مختار الصحاح ص 552.
[2418]:-تفسير الرازي جـ 19 ص 144 وفتح القدير جـ 3 ص 115 وتفسير النسفي جـ2 ص 265.