الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ} (75)

قوله تعالى : " ثم بعثنا من بعدهم " أي من بعد الرسل والأمم . " موسى وهارون إلى فرعون وملئه " أي أشراف قومه . " بآياتنا " يريد الآيات التسع ، وقد تقدم ذكرها{[8550]} . " فاستكبروا " أي عن الحق . " وكانوا قوما مجرمين " أي مشركين .


[8550]:راجع ج 2 ص 30، و ج 7 ص 267.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ} (75)

وكان فرعون قد قوي ملكه وعظم سلطانه وعلا في كبريائه وطال تجبره على الضعفاء ، فطمست أمواله وآثاره ، وبقيت أحاديثه وأخباره ،

ولهذا أفصح سبحانه بقصته فقال : دالاً على الطبع{[38283]} : { ثم بعثنا } أي وبعد زمن طويل من إهلاكنا إياهم بعثنا ، ولعدم استغراق زمن البعد أدخل الجار فقال : { من بعدهم } أي من{[38284]} بعد أولئك الرسل { موسى و } كذا بعثنا { هارون } تأييداً له لأن اتفاق اثنين أقوى لما يقررانه وأوكد لما يذكرانه ؛ ولما استقر في الأذهان بما مضى أن ديدن الأمم تكذيب من هو منهم حسداً له ونفاسة عليه ، كان ربما ظن أن الرسول لو أتى غير قومه كان الأمر{[38285]} على غير ذلك ، فبين أن الحال واحد في القريب والغريب{[38286]} ، فقال مقدماً لقوله : { إلى فرعون وملئه } أي الأشراف من قومه ، فإن الأطراف تبع لهم { بآياتنا } أي{[38287]} التي لا تكتنه عظمتها{[38288]} لنسبتها إلينا ، فطبعنا على قلوبهم { فاستكبروا } أي طلبوا الكبر على قبول الآيات وأوجدوا ما يدل عليه من الرد بسبب انبعاثه إليهم عقب ذلك { وكانوا } أي جبلة وطبعاً { قوماً مجرمين* } أي طبعهم قطع ما ينبغي وصله ووصل ما ينبغي قطعه ، فلذلك اجترؤوا على الاستكبار مع ما فيها أيضاً من شديد المناسبة لما تقدم من قول الكافرين { هذا سحر مبين } في نسبة موسى عليه السلام إليه وبيان حقيقة السحر في زواله وخيبته متعاطية لإفساده إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن الأفكار ، هذا إلى ما ينظم إليه من مناسبة ما بين إهلاك القبط وقوم نوح بآية الغرق ، وأنه لم ينفع أحداً من الفريقين معاينة الآيات ومشاهدة الدلالات البينات ، بل ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه بعد تلك المعجزات الباهرة والبراهين الظاهرة ، ثم اتبعهم فرعون بعد أن كانت انحلت عن حبسهم عراه ، وتلاشت من تجبره قواه ، وشاهد من الضربات ما يهد الجبال ، ودخل في طلبهم البحر بحزات{[38289]} لا يقرب{[38290]} ساحتها الأبطال ، لما قدره عليه ذو الجلال ، ولم يؤمن حتى أتاه البأس حيث يفوت الإيمان بالغيب الذي هو شرط{[38291]} الإيمان ، فلم ينفعه إيمانه مع اجتهاده فيه وتكريره لفوات شرطه إجابة لدعوة موسى عليه السلام ، {[38292]}ثم إن بني إسرائيل كانوا قبل مجيء موسى عليه السلام على منهاج واحد . فما اختلفوا إلا بعد مجيء العلم إليهم وبيان الطريق واضحة لديهم ، ولهذا المراد ذكر هنا هارون عليه السلام{[38293]} لأن من أعظم مقاصد السورة المنع من طلب الآيات لمن بعد الإيمان عند الإتيان بها ، إشارة إلى أن القول من الاثنين أوكد ، ومع ذلك فلم يصدق من حكم القدير بشقاوته{[38294]} ، كل ذلك حثاً على الرضا والتسليم ، ووكل الأمر إلى الرب الحكيم ، فمهما أمر به قبل ، وما أعرض عنه ترك السؤال فيه رجاء تدبيره بأحسن التدبير وتقديره ألطف المقادير ؛


[38283]:زيد من ظ.
[38284]:سقط من ظ.
[38285]:في ظ: الرسول.
[38286]:في ظ: البعيد.
[38287]:زيد من ظ.
[38288]:في ظ: عظمتنا.
[38289]:من ظ، وفي الأصل: بحراه ـ كذا.
[38290]:في ظ: لا تقرب.
[38291]:من ظ، وفي الأصل: شرف.
[38292]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[38293]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[38294]:في ظ: بشقاوة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ} (75)

قوله تعالى : { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملايه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين 75 فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين 76 قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون 77 قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آبائنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين } بعد أن خلت الأمم السابقة والذين أرسلوا إليهم ، أرسل الله موسى وأخاه هارون إلى طاغية فرعون { وملايه } وهم أشراف قومه من سادة مصر وكبرائها ؛ لقد أرسلهما الله بآياته وهي حججه وأدلته على صدق رسالتهما لكي يجيبوا داعي الله أو تلين قلوبهم للحق فيذعنوا منيبين إلى الله . لكنهم استكبروا وعتوا عتوا كبيرا وأبوا إلا التمرد والعصيان والاستكبار . وهو قوله سبحانه : { فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين } لا جرم أن فرعون كان من أشد الطغاة في تاريخ البشرية ، بل هو رأس من رؤوس الجبابرة العتاة الذين أسرفوا في العدوان والطغيان والغرور بما يعز أن يكون له في المجرمين نظير يضاهيه في شدة العتو وفظاعة الاستكبار .