لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (35)

الوَجَلُ الخوفُ من المخافة ، والوَجلُ عند الذكر على أقسام : إما لخوفِ عقوبة ستحصل أو لمخافة عاقبة بالسوء تختم ، أو لخروجٍ من الدنيا على غَفلَةٍ من غير استعدادٍ للموت ، أو إصلاح أُهْبَةٍ ، أو حياءٍ من الله سبحانه في أمورٍ إذا ذَكرَ اطلاعه - سبحانه - عليها لمَا بَدَرَت منه تلك الأمور التي هي غير محبوبة .

ويقال الوجَلُ على حسب تجلي الحق للقلب ؛ فإِن القلوب في حال المطالعةِ والتجلي تكون بوصف الوجل والهيبة .

ويقال وَجلٌ له سبب وجل بلا سبب ؛ فالأول مخافةٌ من تقصير ، والثاني معدودٌ في جملة الهيبة .

ويقال الوَجَلُ خوفُ المَكْرِ والاستدراج ، وَأقربُهم من الله قلباً أكثرهُم من الله - على هذا الوجه - خوفاً .

قوله جلّ ذكره : { وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ } .

أي خامدين تحت جريان الحكم من غير استكراهٍ ولا تمني خَرْجةٍ ، ولا زَوْمِ فُرْجةٍ بل يستَسلِمُ طوعاً :

ويقال الصابرين على ما أصابهم . أي الحافظين معه أسرارهم ، لا يطلبون السلوةَ بإطلاعِ الخْلق على أحوالهم .

قوله جلّ ذكره : { وَالمُقِيمِى الصَّلاَةِ } .

أي إذا اشتدت بهم البلوى فزعوا إلى الوقوف في محلِّ النجوى :

إذا ما تمنَّى الناسُ رَوْحاً وراحةً *** تمنَّيْتُ أن أشكو إليك فَتَسمَعَا

قوله جلّ ذكره : { وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } .

عند المعاملة من أموالهم ، وفي قضايا المنازلة بالاستسلام ، وتسليم النفس وكل ما منك وبك لطوارق التقدير ؛ فينفقون أبدانَهم على تحمل مطالبات الشريعة ، وينفقون قلوبَهم على التسليم والخمود تحت جريان الأحكام بمطالبات الحقيقة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (35)

{ الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ } أي خافت { قُلُوبِهِمْ } منه عز وجل لإشراق أشعة الجلال عليها { والصابرين على مَا أَصَابَهُمْ } من مشاق التكاليف ومؤنات النوائب كالأمراض والمحن والغربة عن الأوطان ولا يخفى حسن موقع ذلك هنا أيضاً ، والظاهر أن الصبر على المكاره مطلقاً ممدوح . وقال الرازي : يجب الصبر على ما كان من قبل الله تعالى ، وأما على ما يكون من قبل الظلمة فغير واجب بل يجب دفعه على من يمكنه ذلك ولو بالقتال انتهى وفيه نظر { والمقيمى الصلاة } في أوقاتها ، ولعل ذكر ذلك هنا لأن السفر مظنة التقصير في إقامة الصلاة . وقرأ الحسن . وابن أبي إسحاق . وأبو عمرو في رواية { الصلاة } بالنصب على المفعولية لمقيمي وحذفت النون منه تخفيفاً كما في بيت الكتاب :

الحافظو عورة العشيرة لا *** تأتيهم من ورائهم نطف

بنصب عورة ونظير ذلك قوله

: إن الذي حانت بفلج دماؤهم *** هم القوم كل القوم يا أم مالك

وقوله

: ابني كليب أن عمي اللذا *** قتلا الملوك وفككا الأغلالا

وقرأ ابن مسعود . والأعمش { والمقيمين الصلاة } بإثبات النون ونصب الصلاة على الأصل ، وقرأ الضحاك { إِلَى الصلاة } بالإفراد والإضافة { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } في وجوه الخير ومن ذلك إهداء الهدايا التي يغالون فيها .

/خ34