لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (90)

في الابتداء حين جهلوه كانوا يقولون له في الخطاب : " يا أيها العزيز " فلمّا عرفوه قالوا : { أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ } ؛ لأنه لمَّا ارتفعت الأجنبيةُ سقط التكلُّف في المخاطبة ، وفي معناه أنشدوا :

إذا صَفَتْ المودَّةُ بين قومٍ *** ودام ودادُهم قَبُحَ الثناءُ

ويقال إنَّ التفاصُلَ والتفارُقَ بين يوسف وإخوته سَبَقا التواصلَ بينه وبين يعقوب عليهما السلام ؛ فالإخوةُ خَبَره عرفوه قبلَ أنْ عَرَفَه أبوه ليعلَم أن الحديث بلا شكٍ .

ويقال لم يتقدموا على أبيهم في استحقاق الخبر عن يوسف ومعرفته ، بل إنهم - وإن عرفوه- فلم يلاحظوه بعين المحبة والخلة ، وإنما كان غرضُهم حديثَ الميرة والطعام فقط ، فقال : { أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى } : يعني إني لأَخٌ لِمِثْلِ هذا لمثلكم ؛ ولذا قال : { أَنَّا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى } ، ولم يقل وأنتم إخوتي ، كأنَّه أشار إلى طرفٍ من العتاب ، يعني ليس ما عاملتموني به فِعْلَ الإخوة .

ويقال هَوَّنَ عليهم حالَ بَدَاهَةِ19 الخجلة حيث قال { أَنَا يُوسُفُ } بقوله : { وَهَذَا أَخِى } وكأنه شَغَلَهم بقوله : { وَهَذَا أَخِى } كما قيل في قوله تعالى : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى } [ طه :17 ] إنه سبحانه شَغَلَ موسى عليه السلام باستماع : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى }

[ طه :17 ] بمطالعة العصا في عين ما كوشِف به من قوله : { إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ } [ طه :14 ] .

ثم اعترف بوجدان الجزاء على الصبر في مقاساة الجهد والعناء فقال : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } .

وسمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق- رحمه الله - يقول لما قال يوسف : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ } أحَالَ في استحقاق الأجر على ما عمل من الصبر . . . فأنطقهم الله حتى أجابوه بلسان التوحيد فقالوا : { تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا } يعني ليس بِصْبرِك يا يوسفُ ولا بتقواك ، وإنما هو بإيثار اللَّهِ إياك علينا ؛ فبه تقدمت علينا بحمدك وتقواك . فقال يوسف - على جهة الانقياد للحقِّ - : { لاَ تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَوْمَ } ، فأسقط عنهم اللوم ، لأنه لمَّا لم يَرَ تقواه من نفسه حيث نبَّهوه عليه نَطَقَ عن التوحيد ، وأخبر عن شهود التقدير .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (90)

قوله تعالى : { قالوا أإنك لأنت يوسف } ، قرأ ابن كثير وأبو جعفر : { إنك } على الخبر ، وقرأ الآخرون على الاستفهام . قال ابن إسحاق : كان يوسف يتكلم من وراء ستر فلما قال يوسف : هل علمتم ما فعلتم ؟ كشف عنهم الغطاء ورفع الحجاب ، فعرفوه . وقال الضحاك عن ابن عباس : لما قال هذا القول تبسم يوسف فرأوا ثناياه كاللؤلؤ المنظوم فشبهوه بيوسف ، فقالوا استفهاما أئنك لأنت يوسف ؟ وقال عطاء عن ابن عباس : إن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه ، وكان له في قرنه علامة وكان ليعقوب مثلها ولإسحاق مثلها ولسارة مثلها شبه الشامة ، فعرفوه فقالوا : أئنك لأنت يوسف ؟ وقيل : قالوه على التوهم حتى { قال أنا يوسف وهذا أخي } ، بنيامين ، { قد من الله علينا } ، أنعم علينا بأن جمع بيننا { إنه من يتق } ، بأداء الفرائض واجتناب المعاصي ، { ويصبر } ، عما حرم الله عز وجل عليه . قال ابن عباس : يتقي الزنا ويصبر عن العزوبة . وقال مجاهد : يتقي المعصية ويصبر على السجن ، { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } .