كلمة باقية : كلمة التوحيد أو البراءة .
في عقبه : ذريته إلى يوم القيامة .
28- { وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون } .
أي : جعل كلمة التوحيد - وهي ( لا إله إلا الله ) – باقية في ذريته ، متأصلة فيهم ، حتى يرجع إلى التوحيد والإيمان من أشرك منهم .
يعني : ( لا إله إلا الله ) لا يزال في ذريته من يقولها إلى يوم الدين .
وقد وصى إبراهيم أبناءه وأحفاده بالتوحيد .
قال تعالى : { ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } . ( البقرة : 132 ) .
وظل ميراث التوحيد في ذرية إبراهيم خلفا عن سلف ، وكانت في الجاهلية قبيل الإسلام طائفة من الموحدين ، مثل زيد بن عمرو بن نفيل ، فقد دان بالتوحيد مخالفا قومه ، وفي ذلك يقول :
أربًّا واحدا أم ألف ربّ *** أدين إذا تقسّمت الأمور
تركت اللات والعزى جميعا *** كذلك يفعل الرجل الخبير
ومثل أمية بن أبي الصلت الذي تنسك في الجاهلية ، واجتنب الخمر والفواحش ، وسمع أن نبيا سيظهر ، فأراد أن يكون هو نفسه ذلك النبي ، ومن شعره :
مجّدوا الله وهو للحمد أهل *** ربنا في السماء أمسى كبيرا
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا
وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن كاد أمية ليسلم )3 .
ولما ظهر الإسلام امتنع عن الإيمان حقدا وحسدا على النبي محمد صلى الله عليه وسيلم ، ولذلك قالوا في أمية : آمن لسانه وكفر قلبه ، ومن شعر أمية بن أبي الصلت في التوحيد :
إله العالمين وكل أرض ورب الراسيات من الجبال
بناها وابتنى سبعا شدادا بلا عمد يرين ولا رجال
وسواها وزينها بنور *** من الشمس المضيئة والهلال
ومن شهب تلألأ في دجاها مراميها أشد من النّصال
وشق الأرض فانبجست عيونا *** وأنهارا من العذب الزلال
وبارك في نواحيها وزكى *** بها ما كان من حرث ومال
وكل معمر لابد يوما *** وذي دنيا يصير إلى زوال
{ وَجَعَلَهَا } أي : هذه الخصلة الحميدة ، التي هي أم الخصال وأساسها ، وهي إخلاص العبادة للّه وحده ، والتبرِّي من عبادة ما سواه .
{ كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } أي : ذريته { لَعَلَّهُمْ } إليها { يَرْجِعُونَ } لشهرتها عنه ، وتوصيته لذريته ، وتوصية بعض بنيه -كإسحاق ويعقوب- لبعض ، كما قال تعالى : { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } إلى آخر الآيات .
فلم تزل هذه الكلمة موجودة في ذريته عليه السلام حتى دخلهم الترف والطغيان .
قوله تعالى : { وجعلها } يعني هذه الكلمة . { كلمةً باقيةً في عقبه } قال مجاهد وقتادة : يعني كلمة التوحيد ، وهي لا إله إلا الله كلمة باقية في عقبه أي في ذريته . قال قتادة : لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده . وقال القرظي : يعني : جعل وصية إبراهيم التي أوصى بها بنيه باقية في نسله وذريته ، وهو قوله عز وجل :{ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب } ( البقرة-143 ) . وقال ابن زيد : يعني قوله :{ أسلمت لرب العالمين }( البقرة-131 ) ، وقرأ :{ هو سماكم المسلمين } ( الحج-78 ) . { لعلهم يرجعون } لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون عما هم عليه إلى دين إبراهيم . وقال السدي : لعلهم يتوبون ويرجعون إلى طاعة الله عز وجل .
وضمير الفاعل المستتر فى قوله - سبحانه - : { وَجَعَلَهَا . . . } يعود إلى الله - تعالى - .
أى : وجعل الله - تعالى - بفضله وكرمه ، كلمة التوحيد ، باقية فى عقب ابراهيم ، وفى ذرتيه من بعده ، بأن جعل من ذريته الأنبياء والصالحين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا .
ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى - فى سورة الصافات : { سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصالحين وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ . . }
ويصح أن يكون ضمير الفاعل يعود إلى إبراهيم - عليه السلام - ، على معنى أنه وصى ذريته من بعده بعبادة الله - تعالى - وحده ، وأنه دعا ربه أن يجعل فى ذريته من يعبده وحده .
فيكون المعنى : وجعل ابراهيم هذه الكلمة وهى كلمة التوحيد باقية فى ذريته حيث أوصافهم بعبادة الله وحده .
ويشهد لذلك قوله - تعالى - : { ووصى بِهَآ } - أى بكلمة التوحيد - { إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ . . } .
ثم بين - سبحانه - الحكمة فى ذلك الجعل فقال : { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أى : جعلها كذلك رجاء أن يرجع إلى كملة التوحيد من أشرك من ذرية ابراهيم ، ببركة دعائه لهم بالإِيمان ودعاء من آمن منهم .
فلقد حكى القرآن عن إبراهيم أن دعا الله - تعالى - بقوله : { رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرِّيَتِي . . . } وبقوله : { واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام }
قوله : { وجعلها كلمة باقية في عقبه } الضمير في قوله : { وجعلها } عائد على قوله : { إلاّ الّذي فطرني } وتعني التوحيد . يعني وجعل كلمة التوحيد { باقية في عقبه } وهم ذريته . وفاعل قوله : { وجعلها } عائد إلى الله عز وجل ، أي وجعل الله كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم وهم ولده وولد ولده . والمراد بالكلمة ههنا : توحيد الله جل وعلا ، أو شهادة لا إله إلا الله . وقيل : المراد بالكلمة الإسلام . وقيل : النبوة ، فلم تزل باقية في ذرية إبراهيم . والمعنى : أن مقالة الحق والتوحيد وإفراد الله بالعبادة والإلهية دون غيره من الأنداد ، باقية في عقب إبراهيم وهم خلفه من بعده ، فقد توارثوا البراءة من عبادة غير الله وأوصى بعضهم بعضا بذلك .
قوله : { لعلّهم يرجعون } أي يرجعون إلى طاعة الله وعبادته وحده ويتبرأون من الشرك واتخاذ الآلهة والأنداد .