قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .
" بسم الله " كلمة من ذكرها نال في الدنيا والعقبى بهجته ، من عرفها بذل في طلبها مهجته .
كلمة إذا استولت على قلب عطلت عن كل شغل ، كلمة إذا واظب على ذكرها عبد أمنته من كل هول .
قوله جل ذكره : { حم والكتاب المبين } .
الحاء تشير إلى حقِّه ؛ والميم تشير إلى محبته . ومعناه : بحقي وبمحبتي لِعِبادي ، وبكتابي العزيز إليهم : إنِّي لا أُعِذِّبُ أهل معرفتي بفرقتي .
سورة الدخان مكية ، نزلت في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين بمكة ، بعد الإسراء وقبيل الهجرة ، وآياتها 59 آية ، نزلت بعد سورة الزخرف ، وقد سميت سورة الدخان لقوله تعالى فيها : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } . ( الدخان : 10 ) .
معظم مقصود سورة الدخان هو : نزول القرآن في ليلة القدر ، وآيات التوحيد ، والشكاية من الكفار ، وحديث موسى وبني إسرائيل وفرعون ، والرد على منكري البعث ، وذل الكفار في العقوبة ، وعز المؤمنين في الجنة ، والمنة على الرسول بتيسير القرآن على لسانه في قوله تعالى : { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون } . ( الدخان : 58 ) .
سورة الدخان سورة يكثر المسلمون قراءتها ، خصوصا ليلة النصف من شعبان ، وليلة القدر في رمضان ، وليلة الجمعة ، وهي تبدأ ببيان أن القرآن أنزل من السماء في ليلة مباركة ، يحمل الرحمة والهدى من رب العالمين ، ثم تنذر المشركين بالعذاب ، وتذكر طرفا من قصة موسى مع فرعون ، ثم تذكر مشاهد القيامة ، وفيها نعيم المتقين ، وعقاب المشركين .
ومن السنة قراءة سورة الدخان ليلة الجمعة لتثبيت الإيمان وتقوية اليقين بقدرة الله رب العالمين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ حم التي يذكر فيها الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له )1 .
سورة الدخان سريعة الإيقاع ، قصيرة الفواصل ، لها سمات السور المكية ، إذ تشتمل على صور عنيفة متقاربة ، ونذر متكررة ، تشبه المطارق التي تقع على أوتار القلب البشري . " ويكاد سياق السورة أن يكون كله وحدة متماسكة ذات محور واحد ، تشد إليه خيوطها جميعا ، سواء في ذلك القصة ، ومشهد القيامة ، ومصارع الغابرين ، والمشهد الكوني ، والحديث المباشر عن قضية التوحيد والبعث والرسالة ، فكلها وسائل ومؤثرات لإيقاظ القلب البشري ، واستجاشته لاستقبال حقيقة الإيمان حية نابضة ، كما يبثها هذا القرآن في القلوب " 2 .
تبدأ السورة بهذه الآيات القصيرة المتلاحقة ، المتعلقة بالكتاب والإنذار والرسالة والهداية : { حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم * أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين } . ( الدخان : 1-5 ) .
ثم تعريف للناس بربهم ، رب السماوات والأرض وما بينهما ، وإثبات الوحدانية لله المحيي المميت ، رب الأولين والآخرين .
ثم يضرب السياق عن هذا الحديث ليتناول شأن القوم : { بل هم في شك يلعبون } . ( الدخان : 9 ) .
ويعاجلهم بالتهديد المرعب جزاء الشك واللعب : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم } . ( الدخان : 10 ، 11 ) .
ثم ذكر ما يكون من دعائهم لله أن يكشف عنهم العذاب ، وإعلانهم الاستعداد للإيمان في وقت لا يقبل منهم فيه إيمان .
وتذكيرهم بأن هذا العذاب لم يأت بعد ، وهو الآن عنهم مكشوف ، فلينتهزوا الفرصة قبل أن يعودوا إلى ربهم فيكون ذلك العذاب المخيف : { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } . ( الدخان : 16 ) .
ومن هذا الإيقاع العنيف بمشهد العذاب ، ومشهد البطشة الكبرى والانتقام ، ينتقل بهم إلى مصرع فرعون وملئه ، يوم جاءهم رسول كريم يدعوهم إلى الإيمان بالله ، فأبوا أن يستجيبوا لدعوته ، وهموا بالانتقام من موسى فأغرقهم الله ، وتركوا وراءهم الجنات والزروع ، والفاكهة والمقام الكريم ، يستمتع بها سواهم ، ويذوقون هم عذاب السعير .
وفي غمرة هذا المشهد الموحى يعود إلى الحديث عن تكذيبهم بالآخرة وإنكارهم للبعث وقولهم : { إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين * فاتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } . ( الدخان : 35 ، 36 ) .
ليذكرهم بأنهم ليسوا أقوى من قوم تُبَّع الذين هلكوا لإجرامهم ، ويربط السياق بين البعث وحكمة الله في خلق السماوات والأرض ، فلم يخلقهما عبثا وإنما لحكمة سامية ، هي أن تكون الدنيا للعمل والابتلاء ، والآخرة للبعث والجزاء .
ثم يحدثهم عن يوم الفصل : { ميقاتهم أجمعين } . ( الدخان : 40 ) . وهنا يعرض مشهدا عنيفا لعذاب المكذبين ، إنهم يأكلون من شجرة مؤلمة ، طعامها مثل الزيت المغلي -وهو المهل- يغلى في البطون كغلي الحميم ، ويشد المجرم شدا في جفوة وإهانة ، ويصب فوق رأسه من الحميم الذي يكوي ويشوي .
ومع الشد والجذب ، والدفع والعتل والكي ، التأنيب والإهانة ، جزاء الشك والتكذيب بالبعث والجزاء : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } . ( الدخان : 49 ) .
وفي الجانب الآخر من ساحة القيامة نجد المتقين في مقام أمين ، يلبسون الحرير الرقيق وهو السندس ، والحرير السميك وهو الإستبرق ، ويجلسون متقابلين يسمرون ويتمتعون بالحور العين ، و بالخلود في دار النعيم : { فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم } . ( الدخان : 57 ) .
ثم يأتي الختام يذكرهم بنعمة الله في تيسير هذا القرآن على لسان الرسول العربي ، الذي يفهمون كلامه ويدركون معانيه ، ويخوفهم العاقبة والمصير ، في تعبير ملفوف ولكنه مخيف . { فارتقب إنهم مرتقبون } . ( الدخان : 59 ) .
{ حم ( 1 ) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ( 3 ) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( 4 ) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 5 ) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 6 ) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 7 ) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ( 9 ) }
حروف مفصلّة افتتح الله بها عددا من السور ، لتكون بمثابة الجرس الذي يقرع ، فيتنبه التلاميذ لدخول المدرسة .
ولأن الكفار كانوا يتواصون بعدم الاستماع للقرآن ، فلم قرع أسماعهم ما لم يألفوه أنصتوا ، وقيل : هي حروف للتحدي والإعجاز ، ذلك أن الله تعالى طلب من المشركين أن يأتوا بمثل القرآن فعجزوا ، فطلب الإتيان بعشر سور منه فعجزوا ، فطلب الإتيان بسورة منه فعجزوا ، ولزمهم العجز الأبدي ، وتحداهم القرآن مفتتحا بعض السور بهذه الأحرف المقطعة ، مرشدا إلى أن القرآن مكون من حروف عربية تنطقون بها ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله ، فدل ذلك على أنه من عند الله ، وهو وحي إلهي وليس من صنع بشر .
1- سورة " الدخان " من السور المكية ، وعدد آياتها : تسع وخمسون آية في المصحف الكوفي ، وسبع وخمسون في البصري ، وست وخمسون في غيرها . وكان نزولها بعد سورة " الزخرف " .
2- وقد افتتحت بالثناء على القرآن الكريم ، وأنه قد أنزله –سبحانه- في ليلة مباركة ، قال –تعالى- : [ إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين . فيها يفرق كل أمر حكيم . . . ] .
3- ثم تحدثت عن جانب من العقوبات الدنيوية التي عاقب الله –تعالى- بها كفار قريش ، وذكرت ما تضرعوا به إلى الله لكي يكشف عنهم ما نزل بهم من بلاء ، فلما كشفه –تعالى- عنهم عادوا إلى كفرهم وعنادهم . . .
قال –تعالى- : [ بل هم في شك يلعبون . فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين . يغشي الناس هذا عذاب أليم . ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون . . ] .
4- ثم ساقت جانبا من قصة فرعون مع موسى –عليه السلام- ، فبينت أن موسى دعا فرعون وقومه إلى وحدانية الله –تعالى- ، ولكنهم أصروا على كفرهم ، فكانت عاقبتهم الإغراق في البحر ، دون أن يحزن لهلاكهم أحد ، وأنهم قد تركوا من خلقهم ما تركوا من جنات ونعيم .
قال –تعالى- : [ كم تركوا من جنات وعيون . وزروع ومقام كريم . ونعمة كانوا فيها فاكهين . كذلك وأورثناها قوما آخرين . فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين . . . ] .
5- وبعد أن هددت السورة الكريمة مشركي مكة على أقوالهم الباطلة في شأن البعث ، وردت عليهم بما يدحض حجتهم ، أتبعت ذلك ببيان سوء عاقبة الكافرين ، وحسن عاقبة المؤمنين ، وختمت بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أذى ، ووعدته بالنصر على أعدائه ، قال –تعالى- : [ فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون . فارتقب إنهم مرتقبون ] .
6- هذا والمتدبر في هذه السورة الكريمة يراها تمتاز بقصر الآيات ، وبأسلوبها الذي تبرز فيه ألوانا متعددة من تهديد المشركين ، تارة عن طريق تذكيرهم بالقحط الذي نزل بهم ، وتارة عن طريق ما حل بالمكذبين من قبلهم ، وتارة عن طريق ما ينتظرهم من عذاب مهين ، إذا ما استمروا على كفرهم . . .
كما يراها تثنى على القرآن بألوان متعددة من الثناء ، ونبشر المتقين ببشارات متنوعة ، وتطوف بالنفس الإنسانية في عوالم شتى ، لتهديها إلى الصراط المستقيم ، ولترشدها إلى طريق الحق واليقين .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . .
سورة " الدخان " من السور المبدوءة بالحروف المقطعة ، وقد سبق أن قلنا إن أقرب الآراء إلى الصواب فى معناها : أن الله - تعالى - جاء بها فى أوائل بعض السور للتحدى والتعجيز والتنبيه إلى أن هذا القرآن من عند الله - عز وجل - فكأنه - تعالى - يقول للمذكبين : هذا هو القرآن ، مؤلف من كلمات وحروف هى من جنس ما تتخاطبون به ، فإن كنتم فى شك فى كونه من عنده - تعالى - فأتوا بسورة من مثله . . فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .