في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا} (12)

ويترك السياق زكريا في صمته وتسبيحه ، ويسدل عليه الستار في هذا المشهد ويطوي صفحته ليفتح الصفحة الجديدة على يحيى ؛ يناديه ربه من الملأ الأعلى :

( يا يحيى خذ الكتاب بقوة . . . ) .

لقد ولد يحيى وترعرع وصار صبيا ، في الفجوة التي تركها السياق بين المشهدين . على طريقة القرآن في عرضه الفني للقصص ، ليبرز أهم الحلقات والمشاهد ، وأشدها حيوية وحركة .

وهو يبدأ بهذا النداء العلوي ليحيى قبل أن يتحدث عنه بكلمة . لأن مشهد النداء مشهد رائع عظيم ، يدل على مكانة يحيى ، وعلى استجابة الله لزكريا ، في أن يجعل له من ذريته وليا ، يحسن الخلافة بعده في العقيدة وفي العشيرة . فها هو ذا أول موقف ليحيى هو موقف انتدابه ليحمل الأمانة الكبرى . ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) . . والكتاب هو التوراة كتاب بني إسرائيل من بعد موسى ، وعليه كان يقوم أنبياؤهم يعلمون به ويحكمون . وقد ورث يحيى أباه زكريا ، ونودي ليحمل العبء وينهض بالأمانة في قوة وعزم ، لا يضعف ولا يتهاون ولا يتراجع عن تكاليف الوراثة . .

وبعد النداء يكشف السياق عما زود به يحيى لينهض بالتبعة الكبرى :

( وآتيناه الحكم صبيا ، وحنانا من لدنا وزكاة ، وكان تقيا ) . .

فهذه هي المؤهلات التي زوده الله بها وأعده وأعانه على احتمال ما كلفه إياه عندما ناداه . .

آتاه الحكمة صبيا ، فكان فذا في زاده ، كما كان فذا في اسمه وفي ميلاده . فالحكمة تأتي متأخرة . ولكن يحيى قد زود بها صبيا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا} (12)

{ يا يحيى } على تقدير القول وكلام آخر حذف مسارعة إلى الأنباء بإنجاز الوعد الكريم أي فلما ولد وبلغ سنا يؤمر مثله فيه قلنا يا يحيى { خُذِ الكتاب } أي التوراة ، وادعى ابن عطية الإجماع على ذلك بناءً على أن ال للعهد ولا معهود إذ ذاك سواها فإن الإنجيل لم يكن موجوداً حينئذٍ وليس كما قال بل قيل : له عليه السلام كتاب خص به كما خص كثير من الأنبياء عليهم السلام بمثل ذلك ، وقيل : المراد بالكتاب صحف إبراهيم عليه السلام ، وقيل : المراد الجنس أي كتب الله تعالى : { بِقُوَّةٍ } بجد واستظهار وعمل بما فيه ، وقائل ذلك هو الله تعالى على لسان الملك كما هو الغالب في القول للأنبياء عليه السلام ، وأبعد التبريزي فقدر قال له أبوه حين ترعرع ونشأ : يا يحيى الخ ، ويزيده بعداً قوله تعالى : { وءاتيناه الحكمة صَبِيّاً } .

أخرج أبو نعيم . وابن مردويه . والديلمي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك : أعطى الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين ، وجاء في رواية أخرى عنه مرفوعاً أيضاً قال الغلمان ليحيى بن زكريا عليهما السلام : اذهب بنا نلعب فقال : أللعب خلقنا ، اذهبوا نصلي فهو قوله تعالى : { وءاتيناه الحكمة صَبِيّاً } والظاهر أن الحكم على هذا بمعنى الحكمة ، وقيل : هي بمعنى العقل ، وقيل معرفة آداب الخدمة ، وقيل الفراسة الصادقة وقيل النبوة وعليه كثير قالوا : أوتيها وهو ابن سبع سنين أو ابن ثلاث أو ابن سنتين ولم ينبأ أكثر الأنبياء عليهم السلام قبل الأربعين ، والجملة عطف على قلنا المقدر .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا} (12)

قوله عز وجل : { يا يحيى } ، قيل : فيه حذف معناه : ووهبنا له يحيى وقلنا له : يا يحيى ، { خذ الكتاب } ، يعني التوراة ، { بقوة } ، بجد ، { وآتيناه الحكم } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : النبوة ، { صبياً } ، وهو ابن ثلاث سنين . وقيل : أراد بالحكم فهم الكتاب ، فقرأ التوراة وهو صغير . وعن بعض السلف : من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبياً .