( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ) . .
وقد كان الحديث في الآية السابقة عن الطاعة والتسليم في الأحكام . فالآن يتحدث عن الطاعة كافة في كل أمر أو نهي ، مصحوبة هذه الطاعة بخشية الله وتقواه . والتقوى أعم من الخشية ، فهي مراقبة الله والشعور به عند الصغيرة والكبيرة ؛ والتحرج من إتيان ما يكره توقيرا لذاته سبحانه ، وإجلالا له ، وحياء منه ، إلى جانب الخوف والخشية .
ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ، الناجون في دنياهم وأخراهم . وعد الله ولن يخلف الله وعده . وهم للفوز أهل ، ولديهم أسبابه من واقع حياتهم . فالطاعة لله ورسوله تقتضي السير على النهج القويم الذي رسمه الله للبشرية عن علم وحكمة ، وهو بطبيعته يؤدي إلى الفوز في الدنيا والآخرة . وخشية الله وتقواه هي الحارس الذي يكفل الاستقامة على النهج ، وإغفال المغريات التي تهتف بهم على جانبيه ، فلا ينحرفون ولا يلتفتون .
وأدب الطاعة لله ورسوله ، مع خشية الله وتقواه ، أدب رفيع ، ينبىء عن مدى إشراق القلب بنور الله ، واتصاله به ، وشعوره بهيبته . كما ينبىء عن عزة القلب المؤمن واستعلائه . فكل طاعة لا ترتكن على طاعة الله ورسوله ، ولا تستمد منها ، هي ذلة يأباها الكريم ، وينفر منها طبع المؤمن ، ويستعلي عليها ضميره . فالمؤمن الحق لا يحني رأسه إلا لله الواحد القهار .
{ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ } استئناف جيء به لتقرير مضمون ما قبله من حسن حال المؤمنين وترغيب من عداهم في الانتظام في سلكهم أي ومن يطع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كائناً من كان فيما أمر به من الأحكام اللازمة والمتعدية ، وعن ابن عباس أنه قال : ومن يطع الله ورسوله في الفرائض والسنن وهو يحتمل اللف والنشر وعلى ذلك جرى في البحر { وَيَخْشَ الله } على ما مضى من ذنوبه { وَيَتَّقْهِ } فيما يستقبل { فَأُوْلَئِكَ } الموصوفون بما ذكر من الطاعة والخشية والاتقاء { هُمُ الفائزون } بالنعيم المقيم لا من عدهم .
وقرأ أبو جعفر . وقالون عن نافع . ويعقوب { وَيَتَّقْهِ } بكسر القاف وكسر الهاء من غير إشباع . وقرأ أبو عمرو . وحمزة في رواية العجلي . وخلاد . وأبو بكر في رواية حماد . ويحيى بكسر القاف وسكون الهاء . وقرأ أبو عمرو . وحمزة في رواية العجلي . وخلاد . وأبو بكر في رواية حماد . ويحيى بكسر القاف وسكون الهاء . وقرأ حفص بسكون القاف وكسر الهاء غير مشبعة والباقون بكسر القاف وكسر الهاء مشبعة بحيث يتولد ياء ، ووجه ذلك أبو علي بأن الأصل في الهاء غير مشبعة والباقون بكسر القاف وكسر الهاء مشبعة بحيث يتولد ياء ، ووجه ذلك أبو علي بأن الأصل في هاء الضمير إذا كان ما قبلها متحركاً أن تشبع حركتها كما في يؤته ويؤده ، ووجه عدم الإشباع أن ما قبل الضمير ساكن تقديراً ولا إشباع بحركته فيما إذا سكن ما قبله كفيه ومنه ، ووجه إسكان الهاء إنها هاء السكت وهي تسكن في كلامهم ، وقيل : هي هاء الضمير لكن أجريت مجرى هاء السكت فسكنت وكثيراً ما يجري الوصل مجرى الوقف ، وقد حكى عن سيبويه أنه سمع من يقول : هذه أمة الله في الوصل والوقف ، ووجه قراءة حفص أنه أعطى { يتقه } حكم كتف لكونه على وزنه فخفف بسكون وسطه لجعله ككلمة واحدة كما خفف يلدا في قوله
: وذي ولد لم يلده أبوان *** وعن ابن الأنباري أنه لغة لبعض العرب في كل معتل حذف آخره فيقولون لم أر زيداً يسقطون الحرف للجزم ثم يسكنون ما قبل ، وعلى ذلك قوله
: ومن يتق فإن الله معه *** ورزق الله مؤتاب وغاد
: قالت سليمى اشتر لنا سويقا *** وهات خبز البر أو دقيقاً
والهاء إما للسكت وحركت لالتقاء الساكنين أو ضمير ، وكان القياس ضمها حينئذ كما في منه لكن السكون لعروضه لم يعتد به ولئلا ينتقل من كسر لضم تقديراً ، وضعف الأول لتحريك هاء السكت وإثباتها في الوصل كذا قيل فلا تغفل .
قوله تعالى : { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله } قال ابن عباس رضي الله عنهما : فما ساءه وسره ويخشى الله على ما عمل من الذنوب . { ويتقه } فيما بعد ، { فأولئك هم الفائزون } الناجون . قرأ أبو عمرو وأبو بكر ( يتقه ) ساكنة الهاء ، ويختلسها أبو جعفر ويعقوب وقالون ، كما في نظائرها ويشبعها الباقون كسراً ، وقرأ حفص ( يتقه ) بسكون القاف واختلاس الهاء ، وهذه اللغة إذا سقطت الياء للجزم يسكنون ما قبلها ، يقولون : لم أشتر طعاماً ، بسكون الراء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.