في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (14)

1

وقبل أن يأخذ السياق في تحديد أنصبة الورثة ، يعود ليحذر من أكل أموال اليتامى . . يعود إليه في هذه المرة ليلمس القلوب لمستين قويتين : أولاهما تمس مكمن الرحمة الأبوية والإشفاق الفطري على الذرية الضعاف وتقوى الله الحسيب الرقيب . والثانية تمس مكان الرهبة من النار ، والخوف من السعير ، في مشهد حسي مفزع :

( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم . فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا . إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ، وسيصلون سعيرا ) . .

وهكذا تمس اللمسة الأولى شغاف القلوب . قلوب الآباء المرهفة الحساسية تجاه ذريتهم الصغار . بتصور ذريتهم الضعاف مكسوري الجناح ، لا راحم لهم ولا عاصم . كي يعطفهم هذا التصور على اليتامى الذين وكلت إليهم أقدارهم ، بعد أن فقدوا الآباء . فهم لا يدرون أن تكون ذريتهم غدا موكولة إلى من بعدهم من الأحياء ، كما وكلت إليهم هم أقدار هؤلاء . . مع توصيتهم بتقوى الله فيمن ولاهم الله عليهم من الصغار ، لعل الله أن يهييء لصغارهم من يتولى أمرهم بالتقوى والتحرج والحنان . وتوصيتهم كذلك بأن يقولوا في شأن اليتامى قولا سديدا ، وهم يربونهم ويرعونهم كما يرعون أموالهم ومتاعهم . .

/خ14

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (14)

{ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } فيما أمر به من الأحكام أو فيما فرض من الفرائض ، وقال ابن جريج : من لا يؤمن بما فصل سبحانه من المواريث ، وحكي مثله عن ابن جبير . { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } التي جاء بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن جملتها ما قص لنا قبل ، أو يتعد حدوده في القسمة المذكورة استحلالاً كما حكي عن الكلبي { يُدْخِلْهُ } قرأ نافع وابن عامر بالنون في الموضعين { نَارًا } أي عظيمة هائلة { خالدا فِيهَا } حال كما سبق ، وأفرد هنا وجمع هناك لأن أهل الطاعة أهل الشفاعة وإذا شفع أحدهم في غيره دخلها معه ، وأهل المعاصي لا يشفعون فلا يدخل بهم غيرهم فيبقون فرادى ، أو للإيذان بأن الخلود في دار الثواب بصفة الاجتماع الذي هو أجلب للأنس ، والخلود في دار العقاب بصفة ( 1 ) الانفراد الذي هو أشد في استجلاب الوحشة ، وجوز الزجاج والتبريزي كون { خالدين } [ النساء : 13 ] هناك و خالداً هنا صفتين لجنات أو نار ، واعترض بأنه لو كان كذلك لوجب إبراز الضمير لأنهما جريا على غير من هما له ، وتعقبه أبو حيان بأن هذا على مذهب البصريين ، ومذهب الكوفيين جواز الوصفية في مثل ذلك ولا يحتاج إلى إبراز الضمير إذ لا لبس { وَلَهُ عَذَابٌ } أي عظيم لا يكتنه { مُّهِينٌ } أي مذل له والجملة حالية ، والمراد جمع أمرين للعصاة المعتدين عذاب جسماني وعذاب روحاني ، نسأل الله تعالى العافية .

واستدل بالآية من زعم أن المؤمن العاصي مخلد في النار ، والجواب أنها لا تصدق عليه إما لأنها في الكافر على ما سمعت عن الكلبي وابن جبير وابن جريج وإما لأن المراد من حدود الله تعالى جميع حدوده لصحة الاستثناء والمؤمن العاصي واقف عند حد التوحيد ، وإما لأن ذلك مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط بعدم التوبة عند الزاعم ، وفي ختم آيات المواريث بهذه الآية إشارة إلى عظم أمر الميراث ولزوم الاحتياط والتحري وعدم الظلم فيه ، وقد أخرج ابن ماجه عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من قطع ميراثاً فرضه الله ورسوله قطع الله ميراثه من الجنة » وأخرج منصور عن سليمان بن موسى والبيهقي عن أبي هريرة نحو ذلك ، وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة عدو ، وكأن عدم القسم إما للتهاون في الدين وعدم المبالاة وكثرة الظلم بين الناس ، وإما لفشو الجهل وعدم من يعرف الفرائض ، فقد ورد عن أبي هريرة مرفوعاً «إن علم الفرائض أول ما ينزع من الأمة » ، وأخرج البيهقي ، والحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الإثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها » ولعل الاحتمال الأول أظهر .

وهذا وقد سددنا باب الإشارة في الآيات لما في فتحه من التكلف ، وقد تركناه لأهله .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (14)

قوله تعالى : { تلك حدود الله } . يعني : ما ذكر من الفروض المحدودة .

قوله تعالى : { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين } . قرأ أهل المدينة وابن عامر { ندخله جنات } ، و " ندخله ناراً " ، وفي سورة الفتح " ندخله ونعذبه " وفي سورة التغابن " نكفر " و " ندخله " وفي سورة الطلاق ( ندخله ) بالنون فيهن ، وقرأ الآخرون بالياء .