فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (14)

وهكذا قوله { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله } بالوجهين { نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } أي وله بعد إدخاله النار عذاب ذو إهانة لا يعرف كنهه .

روعي في الضمائر في الآيتين وفي خالد لفظ ( من ) وفي خالدين معناها ، قال الضحاك : والمعصية هنا الشرك .

وقال ابن عباس في معنى الآية : ومن لم يرض بقسمة الله ويتعد ما حده ، وقال الكلبي : يكفر بقسمة المواريث فإذا كفر كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار إذا لم يتب قبل موته وإذا مات وهو مصر على ذلك كان مخلدا في النار ، فلا دليل في الآية للمعتزلة على أن العصاة والفساق من أهل الإيمان يخلدون في النار .

وقد ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم ، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تعلموا الفرائض وعلموها الناس وإني امرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها . ) {[423]}

وأخرجا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم وأنه ينسى وهو أول ما ينزع من أمتي ) ، وأخرجه ابن ماجه والدارقطني ولفظهما هو أول علم ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي . {[424]}

قد روي عن عمرو وابن مسعود وأنس آثار في الترغيب في الفرائض ، وكذلك روي عن جماعة من التابعين ومن بعدهم .

وهذا العلم من أعظم العلوم قدرا وأشرفها ذخرا وأفضلها ذكرا ، وهو ركن من أركان الشريعة ، وفرع من فروعها في الحقيقة ، اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها وتكلموا في فروعها وأصولها ، ويكفي في فضلها أن الله تولى قسمتها بنفسه وأنزلها في كتابه مبينة في محل قدسه ، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمها كما ذكرنا .

وقد ذكر بعض المفسرين أحكام الفرائض وأسباب الإرث في هذا المقام من تفسيره وإنما محلها كتب الفروع ، وذكروا من تخاريج هذا العلم ما لم يكن له مستند إلا محض الرأي وليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين . فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر ، ويكفيك منها ما ثبت في الكتاب والسنة وما عرض لك وما لم يكن فيهما فاجتهد فيه برأيك عملا بحديث معاذ المشهور . {[425]}

والسهام المحدودة في كتاب الله العزيز ستة : النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس كما تقدم تفسيره آنفا ، والذي وردت به السنة المطهرة أنه يجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة وما بقي فللعصبة والأخوات مع البنات عصبة ، ولبنت الابن مع البنت السدس تكملة للثلثين ، وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم ، وهو للجد مع من لا يسقطه ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن أو ابن الابن أو الأب ، وفي ميراثهم مع الجد خلاف ، ويرثون مع البنات إلا الإخوة للأم ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين .

وأولو الأرحام يتوارثون وهم أقدم من بيت المال ، فإن تزاحمت الفرائض فالعول ، ولا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمه وقرابتها والعكس ، ولا يرث المولود إلا إذا استهل ، وميراث العتيق لمعتقه ويسقط بالعصبات وله الباقي بعد ذوي السهام ، ويحرم بيع الولاء وهبته ، ولا توارث بين أهل ملتين ولا يرث القاتل من المقتول .

هذا جميع ما ثبت بالسنة فاشدد عليك يدك . {[426]}


[423]:المستدرك كتاب الفرائض 4/333.
[424]:المستدرك كتاب الفرائض 4/332- الدارقطني كتاب الفرائض 4/67,
[425]:المسند 5/230.
[426]:حدثنا عبد الله: حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي عون عن الحرث بن عمر وبن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن فقال كيف تصنع أن عرض لك قضاء؟ قال أقضي بما في كتاب الله قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول اله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم.