ثم إذا الكافرون الذين أعرضوا عن ذكر الله حتى لكأن على عيونهم غطاء ، ولكأن في أسماعهم صمما . . إذا بهؤلاء تعرض عليهم جهنم فلا يعرضون عنها كما يعرضون عن ذكر الله . فما يستطيعون اليوم إعراضا . لقد نزع الغطاء عن عيونهم نزعا فرأوا عاقبة الإعراض والعمى جزاء وفاقا !
والتعبير ينسق بين الإعراض والعرض متقابلين في المشهد ، متقابلين في الحركة على طريقة التناسق الفني في القرآن .
{ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ } وهم في الدنيا { في غِطَاء } كثيف وغشاوة غليظة محاطة بذلك من جميع الجوانب { عَن ذِكْرِى } عن الآيات المؤدية لأولي الأبصار المتدبرين فيها إلى ذكرى بالتوحيد والتمجيد . فالذكر مجاز عن الآيات المذكورة من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب . وفيه أن من لم ينظر نظراً يؤدي به إلى ذكر التعظيم كأنه لا نظر له البتة وهذا فائدة التجوز .
وقيل : الكلام على حذف مضاف أي عن آيات ذكري وليس بذاك ، ويجوز أن يكون المراد بالأعين البصائر القلبية . والمعنى كانت بصائرهم في غطاء عن أن يذكروني على وجه يليق بشأني أو عن ذكري الذي أنزلته على الأنبياء عليهم السلام ، ويجوز أن يخص بالقرآن الكريم { وَكَانُواْ } مع ذلك { لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } نفي لسماعهم على أتم وجه ولذا عدل عن وكانوا صماً الا خصر إليه . والمراد أنهم مع ذلك كفاقدي حاسة السمع بالكلية وهو مبالغة في تصوير إعراضهم عن سماع ما يرشدهم إلى ما ينفعهم بعد تصوير تعاميهم عن الآيات المشاهدة بالإبصار فلا حاجة إلى تقدير لذكري المراد منه القرآن أو مطلق الشرائع الإلهية فإنه بعد تخصيص الذكر المذكور في النظم الكريم أولاً بالآيات المشاهدة لا يصير قرينة على هذا الحذف . قال ابن هشام في «المغني » : إن الدليل اللفظي لا بد من مطابقته للمحذوف معنى فلا يصح زيد ضارب وعمرو أي ضارب على أن الأول بمعناه المعروف والثاني بمعنى مسافر . وتقدير ذلك وإرادة معنى الآيات منه مجازاً بعد المجاز أظهر ، وقال بعض المحققين : إن تقدير ذلك إنما هو بقرينة قوله تعالى سمعاً وأن الكافرين هذا حالهم لا بقرينة ذكر الذكر قبل ليجيء كلام ابن هشام ، ولا يخفي أنه لا كلام في تقدير الذكر بمعنى القرآن أو الشرائع الإلهية إذا أريد من الذكر المذكور ذلك . والموصول نعت الكافرين أو بدل منه أو بيان جىء به لذمهم بما في حيز الصلة وللإشعار بعليته لإصابة ما أصابهم من عرض جهنم لهم .
{ أعينهم في غطاء عن ذكري } : أي عن القرآن لا يفتحون أعينهم فيما تقرأه عليهم بغضاً له أو أعين قلوبهم وهي البصائر فهي في أكنة لا تبصر الحق ولا تعرفه .
{ لا يستطيعون سمعاً } : لبغضهم للحق والداعي إليه .
ثم ذكر ذنب الكافرين وعلة عرضهم على النار فقال : وقوله الحق : { الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري } أي أعين قلوبهم وهي البصائر فلذا هم لا ينظرون في آيات الله الكونية فيستدلون بها على وجود الله ووجوب عبادته وتوحيده فيها ، ولا في آيات الله القرآنية فيهتدون بها إلى أنه لا إله إلا الله ويعبدونه بما تضمنته الآيات القرآنية ، { وكانوا لا يستطيعون سمعاً } للحق ولما يدعوا إليه رسل الله من الهدى والمعروف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.