في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٖ} (101)

69

ثم يفيقون فيعلمون أن الأوان قد فات ، وأنه لا جدوى من توزيع التبعات : ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم )فلا آلهة تشفع ، ولا صداقات تنفع . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٖ} (101)

وقوله تعالى : { المجرمون فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } مرتب على ما اعترفوا به من عظم الجناية وظهور الضلالة . والمراد التلهف والتأسف على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه أو صديق شفيق يهمه ذلك وقد ترقوا لمزيد انحطاط حالهم في التأسف حيث نفوا أولاً أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته ونفوا ثانياً أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشف عليهم ويتوجع لهم وإن لم يخلصهم وأتى بالشافع في سياق النفي جمعاً وإن كان حكم هذا الجمع في الاستغراق لمكان من الزائدة حكم المفرد بلا خلاف إنما الخلاف فيما إذا لم تزد من بعد النفي داخلة على الجمع رعاية لما كانوا يأتون به في الإثبات من الجمع .

وقال في «الكشاف » : جمع الشافعي لكثرة الشفعاء ووحد الصديق لقلته ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده رحمة له وحسبة إن لم تسبق له بأكثرهم معرفة وأما الصديق الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فهو أعز من بيض الأنوق ، ويجوز أن يريد بالصديق الجمع أي فإنه يطلق عليه لما أنه على زنة المصدر بخلاف الشافع . وذكر البيضاوي في توحيد الصديق وجهاً آخر أيضاً ، وهو أن الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء ، وحاصله أن الواحد في معنى الجمع بحسب العادة فلذا اكتفى به لما فيه من المطابقة المعنوية كما قيل :

الناس ألف منهمو كواحد *** وواحد كالألف إن أمر عنا

وقال بعض الكملة : إن إيراد الشافعين بصيغة الجمع لمجرد مصلحة الفاصلة ، وأما إيراد الصديق مفرداً فلأن المقام مقام المفرد ومصلحة الفاصلة حصلت قبله وهو كما ترى ، وقال سعد أفندي : لا يبعد أن يكون جمع الأول وإفراد الثاني إشارة إلى أنه لا فرق بين الاستغراقين ، وفيه أن إيثار صيغة لإفادة مسألة عربية ليس من دأب القرآن المجيد ، والذي أميل إليه أن الإفراد على الأصل والجمع وإن أدى مؤداه على سسن ما كانوا يقولونه ويزعمونه في الدنيا من تعدد الشفعاء ولا يضر في ذلك كون المنفي هنا أعم من المثبت هناك من حيث شموله للأصنام . والكبراء . والملائكة . والأنبياء عليهم السلام كما هو المتبادر إلى الفهم ، وأخرج ابن جرير . وابن المنذر عن عكرمة عن ابن جرير أن المعنى فما لنا من شافعين من أهل السماء ولا صديق حميم من أهل الأرض .

وزعم بعضهم أنهم عنوا بالشافعين هنا ما عنوا بالمجرمين من كبرائهم وساداتهم وفرعوا النفي على قولهم : { مَا أَضَلَّنَا إِلاَّ المجرمون } [ الشعراء : 99 ] فكأنهم قالوا : سادتنا وكبراؤنا الذين أضلونا مجرمون معذبون مثلنا فلم يقدروا على السعي في نفعنا والشفاعة لنا ، وفي «الكشاف » فما لنا من شافعين كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين ولا صديق كما نرى لهم أصدقاء فإنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون قال تعالى : { الاخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف : 67 ] أو فما لنا من شافعين ولا صديق حميم من الذين كنا نعدم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى وكان لهم الأصدقاء من شياطين الانس أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة علموا أن الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم فقصدوا بنفيهم نفي ما يتعلق بهم من النفع لأن ما لا ينفع حكمه حكم المعدوم انتهى .

والظاهر على هذا الأخير أن الكلام كناية عن شدة الأمر بحيث لا ينفع فيه أحد ولو أدنى نفع وهو وجه وجيه ، والوجه الأول لا يكاد يتسنى على مذهب المعتزلة الذين لا يجوزون الشفاعة في الخلاص من النار بعد دخولها أو قبله لأن الظاهر من قولهم فما لنا من شافعين كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين فما لنا من شافعين يخصلونا من النار كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين يخلصونهم منها فارتضاء الزمخشري لهذا الوجه غريب اللهم إلا أن يقال : المراد التشبيه باعتبار مطلق الشفاعة والمعتزلة يجوزون بعض أصنافها كالشافعة في زيادة الدرجات في الجنة لكن لا يخلو عن بعد والله تعالى أعلم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٖ} (101)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولا صديق حميم} يعني: القريب الشفيق، فيشفعون لنا كما يشفع المؤمنين، وذلك أنهم لما رأوا كيف يشفع الله عز وجل، والملائكة، والنبيين في أهل التوحيد، قالوا عند ذلك: {فما لنا من شافعين} إلى آخر الآية... استكثروا من صداقة المؤمنين، فإن المؤمنين يشفعون يوم القيامة، فذلك قوله سبحانه: {ولا صديق حميم}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 100]

وقوله:"فَمَا لَنا مِنْ شافِعِينَ" يقول: فليس لنا شافع فيشفع لنا عند الله من الأباعد، فيعفو عنا، وينجينا من عقابه.

"وَلا صَدِيقٍ حَميمٍ "من الأقارب.

واختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بالشافعين، وبالصديق الحميم، فقال بعضهم: عني بالشافعين: الملائكة، وبالصديق الحميم: النسيب...

وقال آخرون: كل هؤلاء من بني آدم.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والحميم: القريب الذي يحمي بغضب صاحبه، والحميم هو الحامي، ومنه الحمى. وأحم الله ذلك من لقائه: أي أدناه...

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

أي: صديق خاص، وقيل: صديق قريب، وسمى حميما؛ لأنه يَحُمُّ لك ويغضب لأجلك... والصديق هو الصادق في المودة على شرط الدين.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَلاَ صَدِيقٍ} كما نرى لهم أصدقاء، لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون. وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض، قال الله تعالى: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [الزخرف: 67] أو: فمالنا من شافعين ولا صديق حميم من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء، لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله، وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس. أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة علموا أنّ الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفي ما يتعلق بهم من النفع؛ لأنّ ما لا ينفع حكمه حكم المعدوم.

والحميم من الاحتمام، وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك. أو من الحامة بمعنى الخاصة، وهو الصديق الخاص. فإن قلت: لم جمع الشافع ووحد الصديق؟ قلت: لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق. ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته، رحمة له وحسبة، وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة. وأما الصديق -وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهملك- فأعز من بيض الأنوق... ويجوز أن يريد بالصديق: الجمع.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ولا صديق حميم} وفي هذه اللفظة منبهة على محل الصديق من المرء، قال ابن جريج {شافعين} من الملائكة و {صديق} من الناس.

قال القاضي أبو محمد: ولفظة «الشفيع» تقتضي رفعة مكانه، ولفظ «الصديق» يقتضي شدة مساهمة ونصرة، وهو (فعيل) من صدق الود من أبنية المبالغة.

و «الحميم» الولي والقريب الذي يخصك أمره ويخصه أمرك وحامة الرجل خاصته.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان الصديق قد لا يكون أهلاً لأن يشفع، قالوا تأسفاً على أقل ما يمكن: {ولا صديق} أي يصدق في ودنا ليفعل ما ينفعنا. ولما كان أصدق الصداقة ما كان من القريب قال: {حميم} أي قريب، وأصله المصافي الذي يحرقه ما يحرقك، لأنا قاطعنا بذلك كل من له أمر في هذا اليوم؛ وأفرد تعميماً للنفي وإشارة إلى قلته في حد ذاته أو عدمه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

فهو تتميم أثارهُ ما يلقونه من سوء المعاملة من كل من يمرون به أو يتصلون، ومن الحرمان الذي يعاملهم كل من يسألونه الرفق بهم حتى علموا أن جميع الخلق تتبرأ منهم كما قال تعالى: {ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب} فإن الصديق هو الذي يواسيك أو يسليك أو يتوجع ويومئذ حقّت كلمة الله {الأخِلاّء يومئذ بعضهُم لبعض عدوّ إلا المتقين} [الزخرف: 67] وتقدم الكلام على الصديق في قوله تعالى: {أو صديقكم} في سورة النور (61).

والحميم: القريب، فعيل من حَمَّ (بفتح الحاء) إذا دنا وقرُب فهو أخص من الصديق. والمراد نفي جنس الشفيع وجنس الصديق لوقوع الاسمين في سياق النفي المؤكَّد ب {من} الزائدة، وفي ذلك السياق يستوي المفرد والجمع في الدلالة على الجنس. وإنما خولف بين اسمي هذين الجنسين في حكاية كلامهم إذ جيء ب {شافعين} جمعاً، وب {صديق} مفرداً، لأنهم أرادوا بالشافعين الآلهة الباطلة وكانوا يعهدونهم عديدين فجرى على كلامهم ما هو مرتسم في تصورهم. وأما الصديق فإنه مفروض جنسُه دون عدد أفراده إذ لم يَعنُوا عدداً معيّناً فبقي على أصل نفي الجنس، وعلى الأصل في الألفاظ إذْ لم يكن داع لغير الإفراد. والذي يبدو لي أنه أوثر جمع {شافعين} لأنه أنسب بصورة ما في أذهانهم كما تقدم. وأما إفراد {صديق} فلأنه أريد أن يُجرى عليه وصف {حميم} فلو جيء بالموصوف جمعاً لاقتضى جمع وصفه، وجمعُ {حميم} فيه ثقل لا يناسب منتهى الفصاحة ولا يليق بصورة الفاصلة مع ما حصل في ذلك من التفنن الذي هو من مقاصد البلغاء.